مريم العذراء في الانجيل المقدس

    البشارة: مريم العذراء الممتلئة نعمة أمّ يسوع المسيح ابن الله (لو1/ 26 – 38).<<
نصّ الإنجيلي:

وفي الشَّهرِ السَّادِس، أَرسَلَ اللهُ الـمَلاكَ جِبرائيلَ إِلى مَدينَةٍ في الجَليلِ اسْمُها النَّاصِرَة، إِلى عَذْراءَ مَخْطوبَةٍ لِرَجُلٍ مِن بَيتِ داودَ اسمُهُ يوسُف، وَاسمُ العَذْراءِ مَريَم.  فدَخَلَ إلَيها فَقال: "إفَرحي، أَيَّتُها الـمُمتَلِئَةُ نِعْمَةً، الرَّبُّ مَعَكِ".   فداخَلَها لِهذا الكَلامِ اضطرابٌ شَديدٌ وسأَلَت نَفسَها ما مَعنى هذا السَّلام.   فقالَ لها الـمَلاك: "لا تخافي يا مَريَم، فقد نِلتِ حُظوَةً عِندَ الله.   فَستحمِلينَ وتَلِدينَ ابناً فسَمِّيهِ يَسوع.   سَيكونُ عَظيماً وَابنَ العَلِيِّ يُدعى، وَيُوليه الرَّبُّ الإِلهُ عَرشَ أَبيه داود،  ويَملِكُ على بَيتِ يَعقوبَ أَبَدَ الدَّهر، وَلَن يَكونَ لِمُلكِه نِهاية"

فَقالَت مَريَمُ لِلمَلاك: "كَيفَ يَكونُ هذا وَلا أَعرِفُ رَجُلاً؟"   فأَجابَها الـمَلاك: "إِنَّ الرُّوحَ القُدُسَ سَينزِلُ عَليكِ وقُدرَةَ العَلِيِّ تُظَلِّلَكِ، لِذلِكَ يَكونُ الـمَولودُ قُدُّوساً وَابنَ اللهِ يُدعى.  وها إِنَّ نَسيبَتَكِ أَليصابات قد حَبِلَت هي أَيضاً بِابنٍ في شَيخوخَتِها، وهذا هو الشَّهرُ السَّادِسُ لِتِلكَ الَّتي كانَت تُدعى عاقِراً.   فما مِن شَيءٍ يُعجِزُ الله".   فَقالَت مَريَم: "أَنا أَمَةُ الرَّبّ فَليَكُنْ لي بِحَسَبِ قَوْلِكَ". وَانصرَفَ الـمَلاكُ مِن عِندِها.

الفكرة الأساسيّة التي يدور حولها هذا النصّ الإنجيليّ هي فكرة حضور الربّ الإله في أحشاء مريم العذراء. فإنّها ستلد ابنًا وتسمّيه يسوع. وهذا الابن سيدعى “ابن العليّ” و”ابن الله”، لأنّها لن تحبل به بمباشرة رجل بل بقدرة من الله، فإنّ حضور قدرة الله في شعبه في العهد القديم قد بلغ ذروته وكماله في العهد الجديد في حضور ابن الله في أحشاء مريم العذراء. لذلك يعبّر لوقا عن هذا الحضور بتعابير يستقيها من العهد القديم. نقول إنّ لوقا هو الذي يعبّر عن هذا الحضور. فإذا كان موضوع إيماننا هو الحبل البتوليّ بيسوع المسيح في احشاء مريم العذراء، يمكننا القول، دون أن يناقض القول التالي موضوع إيماننا، إنّ الحوار بين الملاك جبرائيل ومريم العذراء هو من وضع لوقا، وقد استقى تعابيره من العهد القديم ليظهر أنّ مواعيد العهد القديم قد تمّت في هذا الحبل البتوليّ.

السلام عليك (أو إفرحي) يا ممتلئة نعمة الربّ معك

لنقارن بين هذين النصّين: بشارة النبيّ صفنيا لابنة صهيون، وهذا تعبير رمزيّ لشعب العهد القديم، وبشارة الملاك جبرائيل لمريم العذراء.

صفنيا 3/ 14 – 17                                                                              لوقا 1/ 28 – 33
14 هلّلي يا بنت صهيون

إهتف يا إسرائيل

إفرحي وتهلّلي بكلّ قلبك                                                                    28 السلام عليك (باليونانيّة “إفرحي”)

يا بنت أورشليم                                                                                    يا ممتلئة نعمة

15 فقد ألغى الربّ الحكم عليك وأبعد
ي وسطك ملك إسرائيل الربّ                                                                     الربّ معك

فلا ترين شرًّا من بعد

16 في ذلك اليوم يقال لأورشليم :

لا تخافي                                                                                        30 لا تخافي يا مريم

ولصهيون: لا تسترخي يداك                                                                 فقد نلت حظوةً عند الله

17 في وسطكِ الربّ إلهك                                                               31 وها أنتِ تحبلين في أحشائك

وتلدين ابنًا

الجبّار الذي يخلّص (= يوشيع)                                                           وتسمّينه يسوع (أي “الله يخلّص”)

ويسرّ بك فرحًا

ويجدّدك بمحبّته

كما في أيّام العيد

كثيرًا ما يصوّر الأنبياء شعب العهد القديم في شخص امرأة اختارها الله وأحبّها وأراد أن يجعل منها عروسًا له. هذا الرمز نجده أيضًا في تعبير “إبنة صهيون” التي تعني الشعب كلّه، كما في المقاطع التالية المرتبطة بالنصّ الإنجيلي:

“قولوا لابنة صهيون: هوذا خلاصك آت” (اش 62 /11).

“إهتفي وافرحي يا ابنة صهيون، فهاءنذا آتي وأسكن في وسطك، يقول الربّ” (زك 2 /14).

“إبتهجي جدًّا يا ابنة صهيون، واهتفي يا ابنة أورشليم، هوذا ملكك يأتيك بارًّا مخلّصًا وضيعًا راكبًا على حمار وعلى جحش ابن أتان” (زك 9 /9).

وتصوَّر ابنة صهيون تارة كعذراء وتارة كأمّ تلد في الأوجاع:

“داس السيّد المعصرة على العذراء ابنة يهوذا” (مرا 1/ 15).

“ماذا أساوي بك فأعزّيك، أيّتها العذراء بنت صهيون؟ لأنّ تحطـّمك عظيم كالبحر. فمن ذا يشفيك؟” (مرا 2/ 13).

“لقد صنعت عذراء إسرائيل أمرًا يُقشعَرُّ منه جدًّا” (إر 18/ 13).

“قد سمعت صوتًا كصوت الماخض، وصوتًا مثل شدّة التي تلد بكرها، صوت بنت صهيون تنتحب وتبسط كفّيها” (إر 4/ 31).

“تمخـَّضي وادفعي يا بنت صهيون كالتي تلد. فإنّك الآن تخرجين من المدينة، وتسكنين في الحقول وتسيرين إلى بابل. هناك تُنقَذين، وهناك يفتديك الربّ من أيدي أعدائك” (مي 4/ 10).

إبنة صهيون تصوّر كعذراء للدلالة على أنّ الله اختارها عروسًا له:

“فكما أنّ شابًا يتزوّج بكرًا كذلك بنوك يتزوّجونك. وكسرور العريس بالعروس يسرّ بك إلهك” (أش 62/ 5. راجع 61/ 10).

وتصوَّر إبنة صهيون أيضًا كأمٍّ تلد في الأوجاع، وهذه الأوجاع هي محن اجتياح أورشليم وسبي سكّانها إلى بابل حيث سيخلّصها الرب.

إنّ آلام المخاض التي تعانيها ابنة صهيون تحمل معها رجاء ماسيويًّا. فالربّ سينقذها يومًا بمجيء المسيح الذي سيمنح شعبه الخلاص النهائيّ.

تنطوي صورة ابنة صهيون إذاً على بعدَين: بُعد صوفي إذ تعبّر عن اتّحاد بنت صهيون العذراء بالرّبّ عريسها، وبُعد اسختولوجي لأنّها تشير إلى أنّ تلك العذراء ستلد بالأوجاع الرجاء الماسيويّ، ومنه سيخرج المسيح الذي سيخلّص شعبه.

تحيّة الملاك جبرائيل للعذراء مريم: “إفرحي يا ممتلئة نعمة الربّ معك”. يجب وضعها في إطارها الصحيح حيث تجد ملء معناها. وهذا الإطار هو ترقّب ابنة صهيون مجيء المسيح المخلّص. وهذا هو مدعاة الفرح العظيم الذي يدعو إليه الأنبياء: “هلّلي.. إفرحي وتهلّلي بكلّ قلبك”.

وقول الملاك هذا ليس مجرّد تحيّة اعتياديّة، كما يقال لأيّ شخص: “السلام عليك”، بل هو دعوة إلى الفرح الماسيويّ الناتج من مجيء المسيح المخلّص: “الربّ معك… ها أنتِ تحبلين وتلدين ابنًا وتسمّيه يسوع.. ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد”. فالعذراء أمّ المسيح هي صورة شعب العهد القديم المشار إليه بتعبير “ابنة صهيون”، الذي كان ينتظر في أوجاع تاريخه ميلاد رجائه بفرح وتهليل، والخلاص الذي وعده به الربّ الإله.

مدعاة الفرح في العهد القديم هي حضور الله في وسط شعبه “ليُلغيَ الحكمَ عليه ويبعد عدوَّه” ويكون في وسطه “الربّ الذي يخلّص”. وقد تحقّق هذا في العهد الجديد بحضور الله في شخص ابنه يسوع المسيح في أحشاء مريم العذراء التي اختارها الله وجعلها “ممتلئة نعمة”. فلا حكم من بعد. بل ملء النعمة أي ملء حضور الله. والله، بحضوره في وسط شعبه، سيجدّده بمحبّته.

ولقد “نالت مريم حظوة عند الله” بأنّ هذا الخلاص سيتمّ بواسطتها؛ فهي التي ستحبل بقدرة الروح القدس وتلد المسيح المخلّص.

التعبير الذي يستعمله لوقا للدلالة على الحبل يتضمّن حشوًا مستغربًا إذ يقول: “ستحبلين في أحشائك وتلدين…” فتعاقب الفعلين تحبلين وتلدين هو أمر معهود في العهد القديم، ولكن لماذا أضاف لوقا عبارة “في أحشائك” التي تبدو تكرارًا وحشوًا؟

هذا الحشو هو دلالة على أنّ نصّ لوقا مستقى من نبوءة صفنيا التي تحقّقت في الحبل بيسوع في أحشاء مريم العذراء. فصفنيا يؤكّد مرّتين حضور الله في وسط شعبه (3/ 15، 17). فاللفظة العبريّة التي يستعملها “بقربيخ” تعني في أحشائك. ويعني بها “في وسطك”، والوسط هنا ليس وسط الشعب، وسط الهيكل، كما يقول في موضع آخر: “الربّ بارّ في وسطها لا يرتكب ظلمًا، وصباحًا فصباحًا يُصدر حكمَه وعند طلوع النور لا يُقصِّر” (صف 3/ 5).

في هذه الآيات إشارة إلى سكنى الله  في وسط الهيكل حيث يتجلّى برُّ الله وتعلـَن شريعته. وهذا المعنى نجده عند غير نبيّ:

“فتعلمون أنّي أنا في وسط إسرائيل، وأنّي أنا الربّ إلهكم” (يوء 2/ 27).

“إهتفي وافرحي يا ابنة صهيون، فهاءنذا آتي وأسكُن في وسطك، يقول الربّ… ليسكتْ كلّ بشر أمام وجه الربّ، فإنّه قد استيقظ من مسكن قدسه” (زك 2/ 14، 17).

سنة 587ق.م. احتلّ البابليون أورشليم ودمّروا الهيكل وسبوا السكّان إلى بابل. ثمّ سنة 538 أذن قورش لليهود بالعودة من بابل إلى أورشليم. وسنة 520 بدأوا بإعادة بناء الهيكل. في هذا الإطار يتنبّأ زكريّا أنّ الله سيخرج من جديد من مسكن قدسه السماوي ليسكن في وسط شعبه أي في الهيكل، في تابوت العهد الذي يحوي وصايا الله العشر. وسكنى الله في تابوت العهد هو منذ القديم ضمانة لشعب الله، كما يقول الله لموسى: “لا ترتعد أمامهم (أي أمام الشعوب الكثيرة)، لأنّ الربّ إلهك في وسطك إله عظيم رهيب” (تثنية 7/ 21).

هذه العبارة تشير عند الأنبياء إلى إعادة بناء الهيكل وفي الوقت عينه إلى مجيء الربّ لدى تحقيق الرجاء الماسيويّ، كما نرى ذلك في نصّ صفنيا والنصّ التالي لأشعيا: “إهتفي وابتهجي يا ساكنة صهيون، فإنّ قدّوس إسرائيل في  وسطك عظيم” (أش 12/ 6).

فإذا كان لوقا قد استعمل العبارة “في أحشائك” التي تعني “في وسطك” وتشير في العهد القديم إلى سكنى الله في الهيكل في تابوت العهد، فليس ذلك لمجرّد التكرار والحشو، بل لتأكيد العلاقة بين تحيّة الملاك والنبوءات الماسيويّة التي تنبّأت عن إعادة بناء الهيكل ومجيء الله ليسكن في وسط شعبه. فمريم العذراء ستحمل في أحشائها المسيح المنتظر الذي سيكون المخلّص. فكما كان الله في وسط شعبه “الجبّار الذي يخلّص”، ستكون مريم هيكل الله، تابوت العهد الجديد ومقام سكنى الله.مريم العذراء هي “ابنة صهيون”، “أورشليم الجديدة”، مسكن الله المقدّس. إنّها تمثـِّل “البقيّة” الأمينة من شعب إسرائيل، أولئك الصدّيقين الذين كانوا ينتظرون في الفقر الرّوحيّ والضعة والبرّ والقداسة فرح مجيء الربّ المخلّص في شخص المسيح.

مريم العذراء هي تابوت العهد الجديد. بعد خراب أورشليم الأوّل سنة 596 ق.م. اختفى تابوت العهد. وعندما أ ُعيدَ بناء الهيكل سنة 520، تُرِكَ “المكان المقدّس” فارغًا، وكان هذا الفراغ علامة رجاء وانتظار لمجيء الله من جديد في الأزمنة الأخيرة. وإذا بجبرائيل، ملاك الأزمنة الأخيرة، يعلن تحقيق وعود الله: لقد كوّن الله مريم العذراء “ممتلئة نعمة” وجعلها تابوت العهد الجديد المقدّس، ليسكن فيها، بدل وصاياه العشر وأحكامه المتعدّدة، كلمتُه وابنُه الوحيد يسوع المسيح المخلّص.

يسوع ابن مريم يدعى ابن الله

الحبل بيسوع بقدرة الرّوح القدس يفسّر لماذا يدعى يسوع “ابن الله”، ويشير إلى تحقيق نبوءة ناتان النبيّ بمجيء ملك من نسل داود يدعى “ابن العلي”.

لنقارن بين النصّين التاليـين:

2 صموئيل 7/ 11 – 16                                                                      لوقا 1/ 31 – 33

11 اقد أخبركَ الربّ أنّه سيقيم لك بيتًا،

12 وإذا تمّت أيّامك واضطجعتَ مع

آبائك،

أقيمُ من يخلفك من نسلك                                                                     31 ها أنتِ تحبلين وتلدين ابنًا الذي يخرج من صلبك،                                                                              وتسمّنهُ يسوع.

13 وأثبّت عرش ملكه إلى الأبد.                                                             32 إنّه يكون عظيمًا، وسيعطيه الربّ الإله عرش

داود أبيه،

14 أنا أكون له أبًا، وهو يكون لي ابنًا،                                                       وابنُ العليّ يُدعى،

16 بل يكون بيتك وملكك                                                                    33 ويملك على بيت يعقوب

ثابتين إلى الأبد أمام وجهك،                                                                            إلى الأبد،

وعرشك يكون راسخًا إلى الأبد.                                                                ولن يكون لملكه انقضاء.

نبوءة ناتان هذه هي جواب الربّ على رغبة داود الملك في أن يبني هيكلا ً للربّ: “قال الملك لناتان النبيّ: “أنظر إنّي ساكن في بيت من أرز. وتابوت الربّ ساكن في داخل الخيمة” (2صم 7/ 2). فكان جواب الربّ أنّ داود لن يصنع بيتًا (أي هيكلاً) للربّ، بل الربّ هو الذي سيصنع بيتًا (أي سلالة) لداود. فالوعد يتناول في جوهره استمرار نسل داود على عرش إسرائيل. ويرى لوقا أنّ هذا الوعد قد تحقّق في شخص يسوع المسيح ولكن على نحو روحي. فالمسيح سيملك، ولكنّ ملكوته سيكون ملكوتًا روحيًّا. لن يعيد مملكة داود، بل سيُنشئ ملكوت الله على الأرض، ولن يكون لهذا الملكوت انقضاء.

أمّا قول ناتان: “أنا أكون لهُ أبًا، وهو يكون لي ابنًا”، فيرى لوقا تحقيقه في قول الملاك: “وابن العلّ يُدعى”. ثمّ يفسّر لماذا سيدعى يسوع “ابن الله” في الآيات 34 – 36: “فقالت مريم للملاك: “كيف يكون ذلك وأنا لا أعرف رجلا ً؟ فأجاب الملاك وقال لها: “الروح القدس يحلّ عليك، وقدرة العليّ تظلّلك. ومن أجل ذلك فالذي يولد منك يُدعى قدّوسًا وابن الله”. فيسوع يدعى ابن الله، إلى جانب كونه ابن داود، لأن ليس له أب من بين البشر، بل تكوّن في أحشاء مريم العذراء من الروح القدس، أي بقدرة الله الخالق القدّوس، “إذ ليس من أمر مستحيل على الله” (لو 1/ 27).

إنّ فعل “عرف” يشير في سياق الكلام هنا إلى العلاقات الزوجيّة (راجع تكوين 4/ 1: “وعرف آدم حوّاء امرأته فحملت وولدت قايين”). فمريم لا تزال عذراء، وهي فقط مخطوبة ليوسف (لو1/ 27). لا شكّ أنّ الخطبة في التقليد اليهوديّ هي بمثابة زواج شرعيّ، لكنّ المساكنة لا تتمّ إلّا بعد أن تُزَفَّ العروس إلى بيتِ عريسها. وهذا ما يشير إليه متّى، كما سنرى ذلك (متى 1/ 18 – 20).

فمريم لا تزال إذن عذراء. والملاك ينبئها بأنّها ستكون أمًّا. ولقد أدركت أنّها ستكون أمًّا على الفور كما حصل لأمّ شمشون حين بشّرها الملاك بأنّها ستحبل وتلد ابنًا (قض 13/ 3 – 5). فسألته عن كيفيّة ذلك، إذ ليست لها أيّ علاقة زوجيّة مع يوسف، فكان سؤالها هذا مدخلا ً إلى وحي الملاك. إنّ لقب “ابن الله” هو، في نظر لوقا كما في نظر العهد القديم، تسمية للمسيح (لو 4/ 34، 41 ؛ أع 9/ 20، 22). لكنّ لوقا يجعل منه أيضًا التعبير الأمثل للصلة السرِّيَّة التي تربط يسوع بالله. فإنّه لا يضع هذا اللقب في إنجيله على لسان البشر (كما يفعل متّى 14/ 33 ومر 15/ 39)، بل على لسان الآب (3/ 22 ؛ 9/ 35) وأحد الملائكة (هنا) والأرواح الشيطانيّة (4/ 3) ويسوع نفسه (10/ 22 ؛ 22/ 70). وفي خاتمة بشارة الملاك جبرائيل، يضيف لقب “ابن الله” إلى لقب “ابن العليّ” الوارد ذكره في الآية 32، مبيّنًا ما في بنوّة يسوع الإلهيّة من عمق وجدّة.

  قدرة العليّ تظلّل العذراء

مريم العذراء هي مسكن الله، ففيها سكن كلمة الله. لذلك يستخدم لوقا للتعبير عن تلك السكنى الألفاظ عينها التي استخدمها العهد القديم لحضور الله في تابوت العهد وخيمة الموعد التي كان يوضع فيها. لنقارن بين النصّين التاليـين:

خروج 40/ 34 –  35                                                                        لوقا 1/ 35

34 ثمّ غطـّى الغمام خيمة الموعد،                                                          الروح القدس يحلّ عليك،

وملأ مجد الربّ المسكن،                                                                    وقدرة العليّ تظلّلك،

35 فلم يستطع موسى أن يدخل خيمة                                                       ومن أجل ذلك فالذي يولد منك

الموعد،

لأنّ الغمام كان حالّا ً عليه،                                                                  يدعى قدّوسًا وابن الله.

ومجد الربّ قد ملأ المسكن.

بين النصّين صلة واضحة أرادها لوقا لإظهار تتابع العهدين والتأكيد أنّ مريم العذراء هي مسكن الله، وأنّ الله يتجلّى فيها كما كان يتجلّى في خيمة الموعد وتابوت العهد. يتضمّن هذا التجلّي عنصرين: الغمام المنير الذي يظلّل خيمة الموعد ويبقى على نحو ما فوقها وخارجها، ومجد الربّ الذي يملأ المسكن. فالغمام الذي هو في العهد القديم رمز لحضور الله يصير هنا شخصيًّا ويُدعى “الروح القدس” أو “قدرة العليّ”. فالرّوح القدس، قدرة العليّ، يحلّ على مريم العذراء ليظلّلها كما كان الغمام يظلّل خيمة الموعد. ونتيجة حضور الله على مريم العذراء هي تجسّد كلمة الله وابن الله في أحشائِها: “ومن أجل ذلك فالمولود منها سيُدعى قدّوسًا وابنَ الله”. فكما كان مجدُ الله يملأ المسكن الذي كان يظلّله الغمام، هكذا سيسكن القدّوس ابن الله في أحشاء مريم العذراء بعد أن تظلّلها قدرة العليّ.

يسوع المسيح هو مجد الله على الأرض. هذا ما سيظهر أيضًا من خلال رواية تجلّي يسوع على جبل ثابور (لو9/ 28 – 36). فبطرس ويوحنّا ويعقوب شاهدوا مجد المسيح الذي تجلّى على جبل ثابور كما تجلّى مجد الله على جبل سيناء: “وصعد موسى الجبل فغطـّى الغمام الجبل. وحلّ مجد الربّ على جبل سيناء، وغطـّاهُ الغمام ستّة أيّام. وفي اليوم السابع دعا الربّ موسى من وسط الغمام” (خر 24/ 15 – 16). إنّ مجد الله حاضر على الأرض في شخص يسوع ابن الله. لذلك في التجلّي “انطلق صوت من الغمامة يقول: هذا هو ابني الحبيب، فاسمعوا له” (لو 9/ 35).

في المعنى عينه يقول إنجيل يوحنّا: “والكلمة صار جسدًا وسكن في ما بيننا. وقد شاهدنا مجده، مجدًا من الآب لابنه الوحيد، الممتلئ نعمة وحقًّا” (يو1/ 14). الجسد الذي اتّخذه ابن الله هو خيمة الموعد الجديدة حيث يسكن المجد الذي هو ملء النعمة والحق في ما بيننا. الله حاضر بين البشر في جسد ابنه الذي فيه يشعّ مجده.

الغمام الذي يظلّل المسيح في التجلّي، وقدرة العليّ التي تظلّل مريم العذراء في البشارة، إشارة إلى سموذ الله الذي يتجلّى وفي الوقت عينه يبقى متساميًا عن مكان تجلّيه. فالغمام هو رمز الآب الذي يُسمَع صوتُه آتيًا من السماء. الآب متسام ٍ وفوق المسكن. والابن هو حضور الآب، هو تجلّي مجده داخل المسكن. كذلك مريم العذراء تظلّلها من الخارج قدرة العليّ، وتحمل في داخلها مجد الله، يسوع المسيح ابن الله المتجسّد.

على ضوء هذه المقارنة، تبدو مريم العذراء، في لحظة حبلها بالمسيح، مسكن الله الجديد وقدس الأقداس وخيمة الموعد يظلّلها الغمام المنير، الرّوح القدس، قدرة العليّ، ويحلّ فيها مجد الله، الابن الحبيب والوحيد، الممتلئ نعمة ً وحقًّا، الكلمة الذي صار جسدًا وأقام سكناه في ما بيننا، الإله الحاضر في ما بين خلائقه.
نشير أخيرًا إلى لقب “القدّوس” الذي نجده إلى جانب لقب ابن الله. وهويشير إلى الانتماء إلى الله وحده. وهو من أقدم التعابير عن ألوهيّة المسيح (أع3/ 14 : “لقد أنكرتم القدّوس الصدّيق”. راجع أيضًا: أع4/ 27، 30؛ لو4/ 34).

مريم العذراء هي مسكن الله بين البشر،عليها حلّت قدرة الله ومنها وُلد المسيح القدّوس ابن الله.

  مريم العذراء “أمة الرّب”.

“فقالت مريم: ها أنا أمة الربّ، فليكن لي بحسب قولك”.

إنَّ لفظة “أمة الربّ”، على غرار لفظة “عبد الربّ” (راجع أش 52 – 53)، تعني في الكتاب المقدّس اختيارًا من قبل الله لرسالة خاصّة، وفي الوقت عينه استسلامًا من قبل الإنسان وخضوعًا لتحقيق تلك الرسالة. لذلك تضيف مريم: “فليكن لي بحسب قولك”، مشيرةً بذلك إلى رغبتها في إسهامها الفعليّ في تحقيق القصد الإلهيّ.

حوّاء المرأة الأولى رفض
ياع لأمر الله. أمّا مريم فقد قبلت قول الله وخضعت لقصده، وأتاحت لكلمة الله أن يتجسّد فيها ويظهر منها للعالم. بواسطتها صار ابن الله آدم الجديد ورأس الإنسانيّة الجديدة. قول مريم “ها أنا أمة الربّ” ليس إذاً كلام تواضع بقدر ما هو كلام إيمان ومحبّة. فمريم، باسم البشريّة جمعاء، قبلت الخلاص الذي أراد الله أن يحقّقه بواسطة يسوع المسيح الذي وُلد منها. هذا القبول هو مدعاة فخر للإنسانيّة التي، بالرغم من سقطتها وخطيئتها، وُجد فيها كائن بشريّ انفتح على نعمة الله، وردّ بالإيجاب على خلاص الله.

في كلّ فقرات هذا النصّ الإنجيليّ نجد رابطـًا شديدًا بين مريم العذراء وعمل الله فيها. فالله قد اصطفاها لتكون أمًّا لابنه وكلمته يسوع المسيح المخلّص، وكمالها يكمن في هذا الاختيار وفي قبولها المؤمن والمحبّ لقصد الله فيها.

مريم العذراء أمّ المخلّص وأمّ عمّانوئيل (متى 1/ 18 – 25؛ أش 7/ 14).

النصّ الثاني الأساسيّ الذي يبيّن العلاقة بين مريم العذراء وقصد الله الخلاصيّ نجده في إنجيل متّى:

“وأمّا مولد يسوع المسيح فكان هكذا: لمّا خُطبت مريم أمّه ليوسف، وُجدت من قبل أن يسكنا معًا، حُبلى من الرّوح القدس، وإذ كان يوسف رجلها صدّيقًا، ولم يُرد أن يشهرها، عزم على تخليتها سرًّا. وفيما هو يفكّر في ذلك، تراءى له ملاك الرّبّ في الحلم وقال: “يا يوسف ابن داود، لا تخف أن تأخذ امرأتك مريم، فإنّ الذي حُبل به فيها إنّما هو من الرّوح القدس. وستلد ابنًا فتسمّيه يسوع، لأنّه هو الذي يخلّص شعبه من خطاياهم”. وكان هذا كلّه ليتمّ ما قال الربّ بالنبيّ القائل: “ها إنّ العذراء تحبل وتلد ابنًا ويدعى اسمه عمّانوئيل، أي الله معنا”. فلمّا نهض يوسف من النوم، فعل كما أمره ملاك الربّ، فأخذ امرأته، وولدت ابنها، وهو لم يعرفها فسمّاه يسوع” (متى 18 – 25). بتوليّة مريم العذراء

“إنَّ الذي حُبل به فيها إنّما هو من الرّوح القدس” (الآية 20). يؤكّد هذا النصّ، على غرار نصّ البشارة أنّ الحبل بيسوع ثمّ في أحشاء مريم العذراء بشكلٍ بتوليٍّ وبقدرةٍ من الله. نحن هنا أيضًا إزاء عمل قدرة الله الخالق الذي لا يستحيل عليه أمر (راجع لو1/ 37). وعمل القدرة الإلهيّة تمّ في مريم العذراء التي صارت من ثمّ مرتبطة بالله ارتباطـًا خاصًّا ومميزًّا.

مريم العذراء أمّ المخلّص

إنَّ تدخّل الله ليكوّن بقدرته الإلهيّة طبيعة يسوع الإنسانيّة في أحشاء مريم العذراء التي لم تعرف رجلا ً هو علامة لتدخّله الخلاصيّ في شعبه وفي العالم أجمع. فالمولود اسمه يسوع الذي يعني بالعبريّة “الله يخلّص”. وستقوم رسالته على أنّه “هو الذي يخلّص شعبه من خطاياهم” (الآية 21). فخلاص البشر لا يمكن أن يأتي من إنسان، فالإنسان محدود في الزمان والمكان، ولا يمكنه أن يحقّق بنفسه المصالحة مع الله القدير الذي يفوق كلّ زمان ومكان. خلاص البشر ومغفرة خطاياهم لا يمكن أن يحقّقهما إلّا الله وحده: “من يقدر أن يغفر الخطايا إلّا الله وحده؟” (مر 2/ 7).

“والله هو الذي صالح في المسيح العالم مع نفسه ولم يحسب عليهم زلاّتهم” (2كو 5/ 17). وبما أنّ الخلاص لا يمكن أن يأتي إلّا من الله، فالقول إنّ يسوع هو مخلّص إشارة واضحة إلى ارتباطٍ خاصّ بين يسوع والله. رسالة يسوع هي إذاً فريدة بين البشر: إنّه هو المخلّص، وتكوين طبيعته الإنسانيّة أيضًا فريد بين البشر. إذ لم يُسمَع قط ّ أنّ امرأةً تلد ابنًا من غير رجل. فمن فرادة الرسالة نخلص إلى فرادة الرّسول. إنّه ليس مجرّد رسول كسائر الرسل البشر، وليس مجرّد نبيّ كسائر الأنبياء البشر. إنّه إنسان، ولكنّه أيضًا أكثر من إنسان. وهذا ما يعبّر عنه يوحنّا بقوله: “والكلمة صار جسدًا وسكن في ما بيننا. وقد شاهدنا مجده، مجدًا من الآب لابنه الوحيد” (يو1/ 14). إنّه “ابن الله” الكائن منذ الأزل مع الله. إنّه ابن الله المخلّص. ومريم هي أمّ ابن الله المخلّص.

مريم العذراء أمّ عمّانوئيل

“وكان هذا كلّه ليتمّ ما قال الربّ بالنبيّ القائل: ها إنّ العذراء تحبل وتلد ابنًا ويُدعى اسمه عمّانوئيل أي الله معنا”. هذا القول النبويّ مأخوذ من أشعيا 7/ 14 حسب الترجمة اليونانيّة السبعينيّة التي ترجمت “علما”. ففيما اللفظة العبريّة تعني إمّا فتاة وإمّا امرأة شابّة لم يمضِ على زواجها زمان طويل، تعني اللفظة اليونانيّة فقط “عذراء”. فنبوءة أشعيا تحتوي على معنيين: معنى تاريخي ينطبق على الزمان الذي قيلت فيه، ومعنى نبوي سيتحقّق في المستقبل. فعندما قيلت تلك النبوءة كان آحاز ملك يهوذا في وضع ٍ خطير. فملك السامرة وملك دمشق كانا سائرَين إلى أورشليم ليقيلاه وينصّبا مكانه ملكًا آخر هو “ابن طابئيل” (أش 7/ 6). فأوحى الربّ إلى أشعيا أن يذهب إلى الملك آحاز ويهدّئ من روعه ويعطيه آية تكون له علامة لأمانة الله له وللمواعيد التي أعطاها لداود على لسان النبيّ ناتان وللحماية التي سيمنحها لمملكته واستمرار عرشه (أش 7/ 1-17). فبحسب المعنى التاريخي، تشير هذه الآية إلى ولادة ابن الملك آحاز، هو حزقيّا. و”العلما” هي إذاً زوجة الملك. ولكن من خلال هذا المعنى التاريخيّ يبرز معنىً آخر نبويّ تتضمّنه النبوءة. فمولد وريث للملك آحاز المنحدر من نسل داود قد حدث تتميمًا لقصد الله ووعده. وهذا المولد هو استباق لميلاد المسيح الذي سيرث في النهاية “عرش داود أبيه” (لو1/ 32 – 33).

“أجل إنّ أشعيا يشير مباشرة إلى ولادة ابن آحاز، حزقيّا مثلا ً. ومع ذلك فإنّنا نشعر من خلال ما في القول من رهبة، ومن خلال ما في الاسم المُطلق على الطفل من قوّة، بأنّ أشعيا ينظر في هذه الولادة الملكيّة إلى أبعد من الظروف الراهنة، فيرى تدخّلا ً من قبل الله في سبيل إقامة الملك الماسيوي النهائي. إنّ نبوءة عمّانوئيل تتجاوز هكذا تحقيقها المباشر. وبحقّ رأى فيها الإنجيليّون (متى 1/ 23 الذي يستشهد بأش 7/ 14، ومتى 4/ 15-16 الذي يستشهد بأش 8/ 23- و9/ 1)، ومن بعدهم التقليد المسيحيّ، التبشير بميلاد المسيح”.

إنّ الترجمة السبعينيّة، التي تعود إلى القرن الثالث قبل المسيح، قد ركّزت على المعنى النبويّ الماسيوي. فما جرى لآحاز ولابنه حزقيّا وكلّ أحداث سنة 735 صارت من الماضي المنسيّ، أمّا المعنى الماسيوي فبقي حاضرًا في أذهان المترجمين. ولذلك باختيارهم لفظة “عذراء” في ترجمتهم، أعطوا تفسيرًا ماسيويًّا لهذه النبوءة، ورأوا فيها إشارة إلى المسيح وأمّه، وإلى ولادة المسيح التي لا يمكن، في نظرهم، إلّا أن تتمّ بمعجزة. هذه الترجمة تنطوي إذاً على تفسير يعود إلى القرن الثالث قبل المسيح وكان شائعًا في بعض الأوساط اليهوديّة، وورد في تلك الترجمة بوحي من الله. وقد كرّس متّى 1/ 23 هذا التفسير إذ رأى فيه نبوءة للحبل البتوليّ بيسوع المسيح.

مريم العذراء أمّ المسيح المولود في بيت لحم (متى 2/ 1-6؛ ميخا 5/ 1-3)

يتكلّم متّى على ميلاد المسيح في بيت لحم، ثمّ يذكر نبوءة لميخا النبيّ تتحدّث عن الموضوع نفسه:

“وأنتِ يا بيت لحم، أرض يهوذا، لست الصغرى في مدن يهوذا الرئيسيّة، لأنّه منكِ يخرج زعيم سوف يرعى شعبي إسرائيل، وأصوله منذ القديم، منذ أيّام الأزل. لذلك يتركهم إلى حين تلد الوالدة، فترجع بقيّة إخوته إلى بني إسرائيل، ويقف ويرعى بعزّة الربّ، وبعظمة اسم الربّ إلهه، فيكونون ساكنين، لأنّه حينئذٍ يتعاظم إلى أقاصي الأرض” (مي 5/ 1-3).

يتنبّأ هذا النصّ عن أمجاد بيت لحم تلك القرية الوضيعة التي سيولد فيها من سيملك على إسرائيل، وعن أمجاد عشائر يهوذا التي تعيش الآن في البؤس وكأنّ الله قد تخلّى عنها (“لذلك يتركهم”، أي يتركهم الله). ولكنّ الله سيعيد إلى سلالة داود أمجادها القديمة. وهذا ما تعنيه عبارة “أصوله منذ القديم”. فداود يعود إلى بوعز وراعوت (راجع راعوت 4/ 11-21). وذلك سيتحقّق بعد أن “تلد الوالدة”، أي أمّ المسيح. “الوالدة” التي يرد ذكرها في هذا النصّ هي نفسها “علما” أشعيا 7/ 14. فإنّ ميخا معاصر لأشعيا. لذلك يجب القول إنّ هذه اللفظة أيضًا تحتوي على معنيين: الأوّل تاريخي، والثاني نبويّ يدلّ على أمّ المسيح الذي “يقف ويرعى بعزّة الربّ وبعظمة اسم الربّ إلهه”.

هذا النصّ هو، على غرار نصّ أشعيا، من النصوص الأساسيّة التي رأى فيها التيّار الماسيوي في العهد القديم نبوءة عن مجيء المسيح. ويعتبر إنجيل متّى تحقيق هذه النبوءة في ميلاد يسوع في بيت لحم، وتأكيدًا أنّ يسوع هو المسيح المنتظر. في هذه النظرة يبدو دور مريم أمّ المسيح مرتبطـًا بتحقيق قصد الله في إرسال المسيح لخلاص البشر. والمسيح لم يأتِ  فقط لخلاص الشعب اليهوديّ، بل جاء ليخلّص جميع البشر. وهذا ما تشير إليه رواية المجوس الذين يمثـّلون الشعوب الوثنيّة ومجيئهم من المشرق للسجود للمسيح. فمريم العذراء هي أمّ المسيح الولود في بيت لحم، الذي هو ملك جميع الشعوب ومخلّصها.

مريم العذراء أمّ الربّ (لو1/ 39 – 56)

النصّ الرابع الأساسيّ الذي يبـيّن دور مريم العذراء في قصد الله الخلاصيّ هو رواية زيارتها إلى نسيبتها أليصابات، وهي تحمل في أحشائها المسيح الربّ.

مريم العذراء تابوت العهد

“في تلك الأيّام قامت مريم، وانطلقت مسرعة إلى الجبل، إلى مدينة في يهوذا، ودخلت بيت زخريّا وسلّمت على أليصابات. فلمّا سمعت أليصابات سلام مريم، ارتكض الجنين في بطنها، وامتلأت أليصابات من الرّوح القدس، فصاحت بصوت جهير، وقالت: مباركة أنتِ في النساء، ومبارك ثمرة بطنك. من أين لي أن تأتي أمّ ربّي إليّ. فإنّه عندما بلغ سلامك إلى أذنيّ ارتكض الجنين من الابتهاج في بطني فطوبى للتي آمنت بأنّه سيتِمّ ما قيل لها من  قبل الربّ”.

ذهبت مريم حاملة حضور الله، كتابوت العهد قديمًا، إلى “مدينة في يهوذا”، يحدّدها العلماء اليوم بأنّها بلدة “عين كارم”، وهي قائمة في الجبال قريبًا من أورشليم. قصدتها مريم لتزور نسيبتها أليصابات امرأة زخريّا. ذهبت مسرعة لتفرح مع أليصابات بالعلامة التي أعطاها إيّاها الملاك:

“ها إنّ أليصابات نسيبتك قد حبلت هي أيضًا بابن في شيخوختها. وهذا الشهر هو السادس لتلك التي تُدعى عاقرًا، إذ ليس من أمر يستحيل على الله” (لو 1/ 36-37). ذهبت مسرعة لتبشّر أقاربها، فقراء الربّ، بالبشرى الصالحة، بشرى الخلاص الماسيوي. أمام هذا المشهد يتبادر إلى ذهننا نصّ أشعيا القائل:

“ما أجمل على الجبال قدمي المبشرّ المخبر بالسلام القائل لصهيون: قد ملك إلهكِ. أصوات رقبائكِ قد رفعوا أصواتهم وهم يهتفون جميعًا لأنّهم يرون عيانًا الربّ راجعًا إلى صهيون. اندفعي بالهتاف جميعًا يا أخربة أورشليم فإنّ الربّ قد عزّى شعبه وافتدى أورشليم. كشف الربّ عن ذراع قدسه على عيون جميع الأمم فترى كلّ أطراف الأرض خلاص إلهنا” (أش 52/ 7-10).

ذهبت مريم إلى قرب أورشليم لتبشّر شعب الله، في شخص أليصابات وزخريّا، بأنّ وعود الربّ بمجيء المسيح الملك قد تمّت، هذا المسيح الذي “سيملك على بيت يعقوب إلى الأبد” (لو 1/ 32-33)، وتحمل إليه بشرى السلام والسعادة والخلاص. غنّ إسراع مريم وفرحها سيميّزان من بعدها رسالة الرّسل والكنيسة. فالكنيسة، وقد سكن فيها الرّوح القدس، وحملت كلام المسيح وجسده، تسرع فرحة لتنقلهما إلى جميع الناس وتبشّرهم بالسلام والسعادة والخلاص بمجيء ملكوت الله.

إنّ دخول مريم إلى بيت زخريّا وسلامها على أليصابات يبدوان تجلّي الله نفسه. وعندما بلغ سلام مريم إلى أذنيّ أليصابات ظهر لها كأنّه صوت آتٍ من عند الله، فارتكض الجنين توحنّا المعمدان في أحشائها. وبذلك تمّ قول ملاخيا النبيّ: “وتشرق لكم، أيّها المستقون لاسمي، شمس البرّ، والخلاص في أشعتّها، فتخرجون وتثبون فرحًا كعجول المعلف” (ملا 3/ 20). يوحنّا المعمدان، وهو يرتكض في بطن أمّه أمام الحاملة المسيح الربّ، يذكّرنا بداود النبيّ الذي راح يثب ويرقص فرحًا أمام تابوت العهد الحامل الله، لدى دخوله أورشليم. إنّ حضور الربّ في تابوت العهد وفي أحشاء مريم العذراء يتيح لنا أن نقارن بين المشهدين:

صعود تابوت العهد إلى أورشليم                                                                 صعود مريم إلى بيت زخريّا

        (2 صموئيل 6)                                                                                        (لوقا 1)

2 قام داود ومضى بكلّ الشعب الذي معه                                                       39قامت مريم وانطلقت مسرعة

من بعلة يهوذا                                                                                         إلى الجبل إلى مدينة في يهوذا

9 وخاف داود من الرّب في ذلك اليوم                                                            9 “من أين لي هذا

وقال: “كيف ينزل تابوت الربّ عندي؟”                                                               أن تأتي أمّ ربّي إليَّ”

11 وبقي تابوت الربّ في بيت عوبيد                                                             56 ومكثت مريم عندها نحو

أدوم الجتّي ثلاثة أشهر                                                                            ثلاثة أشهر، ثمّ عادت إلى بيتها

12 فمضى داود وأصعد تابوت العهد بفرح

من بيت عوبيد أدوم إلى مدينة داود…

14 وكان داود يرقص ويدور على نفسه                                                           44″ارتكض الجنين من الابتهاج

بكلّ قوّته أمام الربّ…                                                                                       في بطني”

15 وأصعد داود وكلّ بيت إسرائيل                                                                42فصاحت (أليصابات) بصوت

تابوت الربّ بالهتاف وصوت البوق                                                                        جهير…

إنّ ابن الله المتجسّد في أحشاء مريم هو لأليصابات والجنين الذي في أحشائها مدعاة فرح وابتهاج ماسيويّ، كما أنّ حضور الله في تابوت العهد جعل داود الملك يثب ويرقص. وسلام مريم، بسبب المسيح الذي تحمله، هو كلام الله. وهذا الكلام هو الذي يملأ أليصابات من الرّوح القدس ويوقظ الفرح الماسيويّ في جنينها الذي يمثـّل شعب الله الذي ينتظر خلاص الربّ. مريم تظهر هنا حقًّا أمّ الربّ. الأمّ وابنها متّحدان في الرسالة. كلام الأمّ ينقل كلام ابنها ويمنح الرّوح القدس لأليصابات. هذه الوحدة بين الأمّ وابنها تؤكّد حقيقة التجسّد. كلمة الله أخذ جسدًا من مريم العذراء، إنّه حقًّا ابن مريم، ومريم هي حقًّا أمّ كلمة الله.

أليصابات، وقد امتلأت من الرّوح القدس، أنشدت لحضور المسيح في أحشاء مريم، على غرار أولئك الذين كانوا يسبّحون الله أمام تابوت حضوره في المَقدِس. الرّوح القدس يقود قلب الإنسان إلى التسبيح. فلا يسعه إلّا أن يعبّر عن شكره بصوت عظيم. هذا الهتاف الإسختولوجي الذي تطلقه أليصابات أمام ظهور الخلاص النهائيّ في مريم هو هتاف فرح بمجيء المسيح وبكثرة الأبناء الذين سيولدون إلى الإيمان به:

“إهتفي أيّتها العاقر التي لم تلد، اندفعي بالهتاف واصرخي أيّتها التي لم تتمخّض فإنّ بني المهجورة أكثر من بني المتزوّجة، قال الربّ” (أش 54/ 1).

“يمكننا الخلوص إلى أنّ صورة تابوت العهد، ذاك الموضع الذي فيه يتحقّق بنوع خاص حضور الله في إسرائيل، تظهر في الواقع من خلال رواية لوقا. إنّ مريم التي حبلت بالمسيح هي تابوت العهد الجديد، ذاك الموضع الذي فيه يتمّ حقيقة حضور الله في وسط شعبه. وهكذا يغطـّي لوقا بسلطته كلّ ما ورد في الليترجيّا وعند الآباء من تطبيق للصور الكتابيّة على مريم العذراء وعلاقتها بتابوت العهد وخيمة الموعد والهيكل، ولا سيّما في عيد تقدمة سيّدتنا مريم العذراء إلى الهيكل”.

مريم العذراء “المباركة في النساء”

أليصابات العاقر ومريم العذراء تتّحدان في الابتهاج عينه، ابتهاج ابنة صهيون، شعب إسرائيل الذي كان ينتظر، من خلال آلام تاريخه، الخلاص الأخير الذي سوف يمنحه إيّاه المسيح. أليصابات العاقر، وهي تشعر بطفلها يرتكض في أحشائها، وتدرك أنّ مريم العذراء تحمل في أحشائها المسيح الموعود به، تفقه أنّ نبوءات ابنة صهيون تحقّقت، وأنّ ابن العاقر وابن العذراء سيكونان في أصل الشعب الجديد الذي لا يُحصى، شعب إسرائيل الجديد المولود من الله. وتنطلق من فمها البركة التي أوحى بها إليها الرّوح القدس الذي امتلأت منه: “مباركة أنت في النساء ومبارك ثمرة بطنك”. هذا القول يجب فهمه بالمعنى الكتابي للفظة “البركة”.

إنّ أليصابات، بقولها إنّ مريم ويسوع هما مباركان، تعني أنّهما موضوع بركة الربّ، وتشكر لله ما صنعه لهما وما صنعه لنا بواسطتهما. فالبركة هي نشيد شكر لله. مريم ويسوع هما مباركان، أي إنّهما يشتركان في بركة الربّ ويسهمان في قصده الإلهيّ. يوم الشعانين ستهلّل الجموع ليسوع معلنة ً إيّاه المسيح والملك، ومستخدمة ً اللفظة عينها:

“مبارك الآتي باسم الربّ” (متى 21/ 9).

“مباركة المملكة الآتية، مملكو داود أبينا” (مر 11/ 9-10).

“مبارك الملك الآتي باسم الربّ” (لو 19/ 38).

“مبارك الآتي باسم الربّ ملك إسرائيل” (يو 12/ 13).

ويسوع نفسه في موضع آخر يطبّق هذا الهتاف على مجيئه الثاني المجيد في نهاية الأزمنة: “فإنّي أقول لكم: إنّكم لن ترونني من الآن حتّى تقولوا: مبارك الآتي باسم الربّ” (متى 23/ 39). هذا يدلّ على أنّ بركة أليصابات تتّسم بسمة ماسيوية وإسختولوجية. إنّها تحيّي مريم العذراء “المباركة” وتحيّي فيها “المبارك” اللذين يأتيان باسم الربّ، إنّها تحيّي في مريم العذراء أمّ المسيح الملك، الملكوت الآتي.

إنّ لقب “المبارك” كان عند اليهود مرادفـًا لله الذي كانوا يخشون التلفّظ باسمه. “فالمبارك” يعني يهوه الله. هكذا يبدأ زخريّا، مشيرًا إلى اسم الله وإلى موضوع تسبحته: “مبارك الربّ إله إسرائيل” (لو 1/ 68). وفي أثناء محاكمة يسوع، يسأله رئيس الكهنة: “أأنتَ المسيح ابن المبارك؟” (مر 14/ 61). وفي العهد القديم يبارك ملكيصادق إبراهيم بقوله: “مبارك أبرام من الله العليّ، خالق السماوات والأرض، ومبارك الله العليّ الذي أسلم أعداءَك إلى يدك” (تك 14/ 19-20).

وتوجَّه أيضًا البركة عينها إلى يهوديت لكونها بقدرة الله قطعت رأس عدوّ شعب الله. وتجدر المقارنة بين هذه المقاطع الثلاثة:

تك 14/ 19-20                                                            يهوديت 13/ 18                                                                لو 1/ 42

مبارك إبراهيم                                                             مباركة أنتِ، يا بنيّة                                                            مباركة أنتِ

من قبل الله العليّ                                                          من قبل الله العليّ

خالق السماء والأرض                                                    فوق جميع النساء                                                               في النساء

اللواتي على الأرض

ومبارك الله العليّ                                                        ومبارك الربّ الإله                                                            ومبارك ثمرة بطنك

خالق السماوات والأرض

الذي أسلم أعداءك                                                       الذي هداك لضرب

إلى يديك                                                                  رأس قائد أعدائنا

أليصابات تعبّر عن إيمانها بالمسيح الملك وبمجيء الملكوت في شخصه، وفي الوقت عينه تشكر لله مَن يأتي إليها باسم الربّ هو وأمّه، حاملا ً الخلاص للعالم. يهوديت أ ُعلنت “مباركة فوق جميع النساء اللواتي على الأرض” لأنّها تحمل في أحشائها المسيح مخلّص جميع الشعوب.

مريم العذراء “أمّ ربّي”

بعد أن تُبارَك يهوديت، “يُبارَك الربّ الإله الذي هداها لضرب رأس قائد أعدائنا.” هنا، بعد أن تُبارَك مريم العذراء، يُبارَك ثمرة بطنها، الربّ يسوع المسيح. ففي مريم العذراء لم يعد الربّ المخلّص قدرة تأتي إلى الإنسان من الخارج بل صار شخصًا متجسّدًا في أحشاء مريم العذراء. أليصابات تقول عنه إنّه “ربّي”. ومريم هي “أمّ ربّي”. وفي ذلك تذكير بقول داود في المزمور 110: “قال الربّ لربّي: إجلس عن يميني، حتّى أجعل أعداءَك موطئًا لقدميك”. والسيّد المسيح نفسه يسأل اليهود عن معنى هذا القول: “كيف يقال إنّ المسيح هو ابن داود، وداود نفسه يقول في سفر المزامير: قال الربّ لربّي: إجلس عن يميني، حتّى أجعل أعداءك موطئًا لقدميك؟ فداود يدعوه ربًّا، فكيف يكون هو ابنه؟” (لو 20/ 41-43). لا جواب على هذا السؤال إلّا بالاعتراف بأنّ المسيح هو كإنسان ابن داود وكابن الله ربّ له. هتاف أليصابات إعلان إيمان ألوهيّة المسيح. ومن ألوهيّة المسيح تتّخذ مريم العذراء أشرف لقب لها، كما سنرى في مجمع أفسس، لقب “والدة الإله”، لأنّها ولدت المسيح الذي هو الربّ ابن الله.

 مريم العذراء المؤمنة

“طوبى للتّي آمنت بأنّه سيتمّ ما قيل لها من قبل الربّ”. مريم العذراء آمنت ببشارة الملاك جبرائيل لها بانّها ستلد ابنها يسوع بقدرة الرّوح القدس.

يقول البابا يوحنّا بولس الثاني في رسالته العامّة “أمّ الفادي”:

“يمكننا أن نقارن بين إيمان مريم وإيمان إبراهيم الذي يدعوه الرّسول “أبًا لنا في الإيمان” (رو 4/ 12). ففي التبرير الخلاصيّ الذي أوحى به الله، نرى أنّ إيمان إبراهيم هو مطلع العهد القديم، فيما يَستهِلّ إيمان مريم في البشارة العهد الجديد. وكما أنّ إبراهيم “آمن على خلاف كلّ رجاء فصار أبًا لأمم كثيرة” (رو 4/ 18)، كذلك مريم في البشارة، فقد آمنت، بعد أن أشارت إلى عزمها على البتوليّة (“كيف يكون ذلك وأنا لا أعرف رجلا ً؟”)، إنّها ستصير أمًّا لابن الله بقدرة العليّ، بالرّوح القدس، كما أوضح الملاك: “المولود منك سيدعى قدّوسًا وابن الله” (لو 1/ 35 )… أن نؤمن يعني أن نستسلم إلى حقيقة كلمة الله الحيّ، وعيًا منّا وإقرارًا في تواضع “كم أنّ أحكامه بعيدة عن التنقيب وطرقه عن الاستقصاء” (رو11/ 33). ومريم التي يمكن القول أنّها وُضعت، بإرادة العليّ الأزليّة، في وسط “طرق الله هذه البعيدة عن الاستقصاء”، وهذه “الأحكام البعيدة عن التنقيب”، ترضخ لها في ظلمة الإيمان، وتقبل قبولا ً كلّيًا، والقلب منفتح، مضامين مخطـّط الله كلّها”.

 مريم العذراء التي بها صنع القدير العظائم (لو 1/ 46-55)

جوابًا على أقوال أليصابات، أنشدت مريم نشيدًا تعظـِّم فيه الله الذي صنع بها عظائم لشعبه: “تعظـِّم نفسي الربّ…” (لو 1/ 46-55). هذا النشيد منسوج في معظمه من آيات من العهد القديم تذكّر بالعظائم التي صنعها الله تجاه شعبه منذ وعده لإبراهيم. وقد بلغت وعود الله الماسيوية كمالها في شخص مريم العذراء وفي المسيح الذي وُلد منها. الفكرة الأساسيّة التي يدور حولها هذا النشيد هي أنّ عظمة الله تظهر في ضعة الإنسان. فالخلاص لا يأتي من الإنسان بل من الله، كما أنّ المسيح لم يأتِ “من مشيئة رجل” بل “من الله” (يو 1/ 13).

هذا النشيد نسّقهُ لوقا على مثال نشيد حنّة أمّ صموئيل النبيّ. فلقد تحقّق في مريم العذراء ما صنعه الربّ قديمًا في حنّة العاقر. حنّة، وقد أذلّها عقرها، صلّت إلى الربّ وقالت: “يا ربّ القوات، إن أنت نظرت إلى ضعة أمتك، وذكرتني ولم تنسَ أمتكَ، وأعطيتَ أمتَكَ مولودًا ذكرًا، أعطه للرّبّ لكلّ أيّام حياته..” (1صم 2 / 1-11). ولمّا استُجيبت صلاتها، أنشدت نشيدًا يمكننا أن نقارن بينه وبين نشيد مريم العذراء:

نشيد حنّة (1صم2/ 1-11)                                                     نشيد مريم (لو 1 /46-55)

1 أبتهج قلبي بالربّ                                                            46 تعظـّم نفسي الربّ

وارتفع رأسي بالربّ…

لأنّي قد فرحت بخلاصك                                                      47 وتبتهج روحي بالله مخلّصي

48 لأنّه نظر إلى ضعة أمته، فها، منذ الآن، تغبّطني جميع الأجيال.

49 لأنّ القدير صنع بي عظائم. 2 لا قدّوس مثل الربّ                                                               واسمه قدّوس

50 ورحمته إلى جيل وجيل للذين

يتّقونه.

51 بسط قدرة ساعده

فشتّت ذوي القلوب المتغطرسة

بأفكارها.

4 كُسرت قسيّ المقتدرين                                                       52 حط ّ المقتدرين عن عروشهم

وتسربل المتواضعون بالقوّة.                                                        ورفع المتواضعين.

5 الشباعى آجروا أنفسهم بالخبز                                               53 أشبع الجياع خيرًا

والجياع كفّوا عن العمل.                                                             والأغنياء أرسلهم فارغين.

7 الربّ يُفقر ويُغني                                                             54 عضد إسرائيل فتاه

يضع ويرفع                                                                           ذاكرًا رحمته

8 ينهض المسكين من التراب                                          55 على ما وعد به آباءنا

يقيم الفقير من المزبلة                                                        لإبراهيم ونسله إلى الأبد.

ليجلسه مع العظماء

ويورثه عرش المجد.

نشيد حنّة نشيد ماسيويّ يعبّر عن رجاء الفقراء المُستَضعَفين المتواضعين، وينتهي بذكر المسيح الملك: “الربّ يدين أقاصي الأرض، يهب عزّة لملكه ويرفع رأس مسيحه” (آية 10). والمسيح هو نسل إبراهيم الذي تجسّدت فيه رحمة الربّ من جيل إلى جيل.

“جميع الأجيال تغبّط مريم العذراء لأنّ القدير صنع بها عظائم”. لا تنسب مريم العذراء لذاتها أيّ مجد. يكفيها فخرًا أنّ الله اختارَها ليصنع بها عظائم الخلاص ويأتي منها المسيح. ولكنّ شخصها ليس غريبًا عن تلك العظائم الخلاصيّة. فهي أمّ المخلّص، وقد أسهمت في الخلاص بقبولها أن تصير أمّ المسيح: “ليكن لي بحسب قولك”. لذلك تغبّطها جميع الأجيال، وتكرّمها الكنيسة في صلواتها وفي كرازتها.

مريم العذراء في ميلاد السيّد المسيح (لو 2/ 1-20؛ متى 2/ 1-23)

أحداث ميلاد السيّد المسيح يرويها كلّ من لوقا ومتّى، وفي كلتا الروايتين يبدو دور مريم مرتبطـًا ارتباطـًا وثيقـًا بدور ابنها: فهي، في إنجيل لوقا،  “أمّ المخلّص، المسيح الربّ” (لو 2/ 11) الذي أنشد لميلاده الملائكة في السّماء والرعاة على الأرض، وفي إنجيل متّى “أمّ الملك” (متى 2/ 2) الذي جاء المجوس من المشرق ليسجدوا له (متى 2/ 2، 8، 11). مريم في هذه النصوص الإنجيليّة تعطي المسيح للعالم وتشهد لما صنعه الله للعالم من عظائم إذ أرسل إلينا الربّ يسوع المسيح مخلّصًا وملكًا.

رواية ميلاد السيّد المسيح في لوقا (2/ 1-20) تركّز على ظهور خلاص الله في طفل وضيع من نسل داود: “وصعد يوسف أيضًا من الجليل، من مدينة الناصرة، إلى اليهوديّة، إلى مدينة داود التي تدعى بيت لحم – فإنّه كان من بيت داود ومن عشيرته – لكي يَكتَـتِبَ مع مريم خطـّيبته التي كانت حُبلى. وفيما كانا هناك تمَّت أيّام وضعها، فولدت ابنها البكر فقمَّطته وأضجعته في مذود، إذ لم يكن لهما موضع في النّزل” (لو 2/ 4-6). ميلاد وضيع: طفل من نسل داود يُضجَع في مذود. إنجيل يعقوب المنحول يذكر ميلاد يسوع في مغارة: “وجد يوسف هناك مغارة” (يع 18/ 1). إلّا أنّ  هذا الطفل هو “المخلّص المسيح الربّ”، بحسب قول “ملاك الربّ” للرعاة. طفل وضيع، مذود حقير، رعاة فقراء، وامرأة عذراء: هذا هو الإطار الذي يظهر فيه “مجد الربّ” (آية 9). في ضعف الإنسان تظهر قدرة الله،لكي يتبيّن جليـًّا أنّ الخلاص ليس من إنسان بل من الله. لذلك “انضمّ بغتة إلى الملاك جمهور من الجند السماويّين يسبِّحون الله ويقولون: المجد لله في العُلى، وعلى الأرض السلام للناس الذين بهم المسرّة” (أي مسرّة الله ورضاه) (لو 2/ 13-14). إزاء خلاص الله نرى الرعاة “يخبرون بما قيل لهم عن هذا الصبيّ” (لو 2/ 17)، ثمّ في نهاية الرواية “رجع الرعاة وهم يمجٍّدون الله، ويسبِّحونه على جميع ما سمعوا وعاينوا، على حسب ما قيلَ لهم” لو 2/ 20). و”كلّ الذين سمعوا أعجبوا بما قال لهم الرعاة” (لو2/ 18). نحن هنا إزاء عمل الله الذي يملأ الناس إعجابًا وتسبيحًا. وتنتقل أناشيد التمجيد من الملائكة في السماء إلى الرعاة على الأرض.

“وأمّا مريم فكانت تحفظ هذه الأقوال (أو الأمور) كلّها، وتتأمّل فيها في قلبها” (لو 2/ 19). “على مرّ السنين، طوال حياة يسوع الخفيّة في بيت الناصرة ظلّت مريم، هي أيضًا مستترة في الله” (كو 3/ 3) في الإيمان. وفي الواقع، إنّ الإيمان هو أتّصال بسرّ الله ومريم على أتّصال دائم ويوميّ بالسرّ اللاموصوف، سرّ الإله المتجسّد، وهو سرّ يتجاوز كلّ ما أوحي به في العهد القديم”.

مريم العذراء أمّ المسيح المتألّم الفادي (لو 2/ 22 – 40)

“لمّا بلغ ملء الزمان، أرسل الله ابنه مولودًا من امرأة، مولودًا تحت الناموس، ليفتدي الذين تحت الناموس وننال التبنّي” (غلا 4/ 4 -5). خضعت مريم للناموس الذي كان يطلب من كلّ امرأة أن تذهب مع مولودها إلى الهيكل في اليوم الأربعين بعد الولادة لتقوم برتبة التطهير وفداء ابنها البكر. الطهارة المشار إليها هنا ليست الطهارة الخلقيّة التي تعني الامتناع عن الخطيئة، بل الطهارة الطقسيّة التي تعني إمكان التقرّب من الأقداس. فولادة طفل تمنع المرأة مدّة أربعين يومًا من التقرّب من كلّ ما هو مقدّس (راجع أح 12/ 1-8).

وفي اليوم الأربعين تأتي إلى الهيكل “بحمل حولي محرقة، وبفرخ حمام أو بيمامة ذبيحة خطيئة… وإن لم يكن في يدها ثمن حمل، فلتأخذ زوجَي يمام أو فرخَي حمام، أحدهما محرقة والآخر ذبيحة خطيئة، فيكفّر عنها الكاهن فتطهر” (أح 12/ 6-8). كذلك يأمر الناموس بأن يُفدى كلّ ذكر بكر، لأنّه مُلك الربّ، وذلك من بعد أن قتل الربّ كلّ بكر في أرض مصر، لمّا تصلّب فرعون ورفض إطلاق بني إسرائيل من مصر مع موسى (راجع خر 13/ 2، 11-16).

يلتزم يوسف ومريم متطلّبات الناموس، غير أنّهما يُدركان، حسب رواية لوقا، أنّ طفلهما هو مُلك لله بنوع خاص. لذلك “صعدا به إلى أورشليم ليُقدّماه للربّ” (الآية 22). هذه التقدمة تذكّرنا بتقدمة حنّة لابنا صموئيل: “أعطه للربّ لكلّ أيّام حياته” (1صم 1/ 11). أدركت مريم أنّ ابنها ليس لها، إنّما هو ابن الله. لذلك قدّمته لله بكلّ تجرّد وتضحية. ويسوع، الحمل الإلهيّ، الذي سيقدّم ذاته ذبيحة فداء على الصليب، تقدّمه أمّه إلى الهيكل علامة وتذكارًا لفداء العالم الذي سيحقّقه على الصليب.

وترتسم بين أسطر النصّ الإنجيليّ لوحة المسيح الفادي المصلوب الذي “جُعل لسقوط ونهوض كثيرين في إسرائيل وهدفـًا للمخالفة”، كما قال سمعان الذي أضاف متوجِّهًا بكلامه إلى مريم العذراء: “وأنتِ أيضًا سيجوز سيف في نفسك، لكي تنكشف الأفكار من قلوب كثيرة” (الآية 25). مريم ستشارك ابنها في رسالته التي تقوده إلى الصليب، ستحمل في قلبها وفي أعماق نفسها آلام الأمّ، أمّ المسيح الفادي المصلوب. وفي هذه المشاركة ستدخل أكثر في ألفة أبنها، وستبقى  قريبة منه، لذلك سنراها على أقدام الصليب.

مريم العذراء تجد يسوع في الهيكل (لو 2/ 41 – 51)

تجرّد مريم وتضحيتها بابنها يظهران أيضًا في مشهد يسوع وهو يترك مريم ويوسف يعودان من أورشليم بينما يبقى هو في الهيكل “وسط المعلّمين يصغي إليهم ويسألهم”. ولمّا سألته مريم: “يا ابني لِمَ صنعتَ بنا هكذا؟ ها إنّي أنا وأباك نطلبك متوجّعين”، قال لهما: “ولم تطلبانني؟ ألم تعالما أنّي ملتزم بشؤون أبي؟”. ويضيف النصّ الإنجيليّ: “أمّا هما فلم يفهما الكلام الذي قاله لهما”. يسوع هو ابن الله، ونراه هنا يبتعد على نحو ما من أمّه ومن أبيه الشرعي اللذين “لم يفهما الكلام الذي قاله لهما”. فعليهما أن ينموا هما أيضًا على غرار الرسل الذين “لم يفهموا هم أيضًا كلامه” (راجع مر 9/ 30 -32).

“مَن أمّي ومَن إخوتي؟”(متى 12/ 46-50 ؛ مر 3/ 31-35 ؛ لو 8/ 19-21)

هذا التجرّد عينه يطلبه السيّد المسيح من أمّه في مشهد إنجيليّ آخر من حياته العلنيّة: “فيما هو يكلّم الجموع، إذا أمّه وإخوته قد وقفوا في الخارج، طالبين أن يكلّموه. فقال له واحد: “إنّ أمّكَ وإخوتكَ واقفون في الخارج يطلبون أن يكلّموك. فأجاب وقال للذي أخبره: مَن أمّي ومَن إخوتي؟ ومدَّ يده نحو تلاميذه وقال: ها أمّي وإخوتي. فإنّ كّ مَن يعمل مشيئة أبي الذي في السماوات هو أخي وأختي وأمّي” (متى 12/ 46-50).

الأمومة الطبيعيّة بحسب الجسد يجب في نظر يسوع أن تتخطـّاها مريم العذراء لتنتقل إلى الأمومة الرّوحيّة التي تقوم على تتميم مشيئة الله الذي يدعوه يسوع “أبي الذي في السماوات”، مؤكّدًا، كما في النصّ السابق (لو 2/ 49)، علاقته الخاصّة بالله التي يجب أن يؤمن بها كلّ تلاميذه، كما آمنت مريم.

“طوبى للبطن الذي حملك…” (لو 11/ 27 – 28)

هذه القرابة الرّوحيّة نجدها أيضًا في نصّ آخر من إنجيل لوقا: “وفيما هو يتكلّم بهذا، رفعت امرأة في الجمع صوتها وقالت له: “طوبى للبطن الذي حملك وللثديين اللذين رضعتهما. أمّا هو فقال: بل طوبى لمن يسوع كلمة الله ويعمل بها” (لو 11/ 27 – 28).

القرابة الطبيعيّة ليست أهمّ ما يربط مريم بابنها يسوع. إنّها تستحقّ الطوبى ليس لأنّها أمّه وحسب، بل بنوع خاصّ لأنّها عملت بمشيئة الله: سمعت كلمة الله وعملت بها، منذ جوابها للملاك جبرائيل: “ليكن لي بحسب قولك”، حتّى آخر لحظة من حياتها.

مريم العذراء في عرس قانا (يو 2/ 1-12).

“تلك هي أولى عجائب يسوع، صنعها في قانا الجليل، وأظهر مجده، فآمن به تلاميذه” (الآية 11).

يسوع المسيح أتى إلى العالم بواسطة مريم العذراء، وأولى عجائبه التي يظهر فيها مجده يصنعها على طلب من مريم العذراء. ولكنّه لا يصنعها إلّا بعد أن يضع أمّه في إطار رسالته الماسيويّة، ويشير إلى ساعة آلامه، ويدعو أمّه “امرأة”، كما سيفعل وهو على الصليب: “ما لي ولك يا امرأة؟ إنّ ساعتي لم تأتِ بعد” (الآية 4). نحن هنا إزاء رسالة المسيح الذي يبدأ فيها عهدًا جديدًا مبنيًّا على عطاء ذاته وإهراق دمه على الصليب. الماء المعدّ لغسول اليهود يتحوّل بكلمة من المسيح إلى خمر أفضل من خمر العرس. العرس رمز العهد بين الله وشعبه. والخمر الجيّدة التي يسقيها يسوع تشير إلى أفضليّة العهد الجديد على العهد القديم. بدل الغسول والتطهير وسائر الطقوس المفروضة في العهد القديم، يمنح السيّد المسيح شعبه الجديد خمر المائدة الجديدة، ويعطيه بسخاء ست خوابٍ من حجر تسع كلّ واحدة منها كيلين أو ثلاثة (الكيل يساوي أربعين لترًا).

وتحوّل الماء إلى خمر لا يتمّ إلّا بكلمة من المسيح. أدركت مريم العذراء أنّ قول ابنها لها: “ما لي ولك يا امرأة؟ إنّ ساعتي لم تأتِ بعد”، ليس رفضًا بل هو رغبة منه في أن يضع تلك المعجزة في إطار رسالته الماسيويّة التي ستقوده إلى الصليب، وعلى مريم أن تنتقل من دور أمذ يسوع إلى دور “المرأة” المتجرّدة عن ابنها، المؤمنة برسالته وبقدرة كلمته. لذلك تقول للخدّام: “مهما قال لكم فافعلوه” (الآية 5). قول مريم هذا يذكّرنا بقول مشابه لفرعون عن يوسف ابن يعقوب وزيره الأعظم إبّان المجاعة التي اجتاحت مصر: “فلمّا جاعت كلّ أرض مصر، صرخ الشعب إلى فرعون لأجل الخبز”، فقال فرعون لجميع المصريين: “إذهبوا إلى يوسف، ومهما قال لكم فافعلوه… ففتح يوسف كلّ ما أودع، وباع للمصريين” (تك 41/ 55). الزمن الماسيويّ هو زمن العطاء المجّاني: “أيّها العطاش هلمّوا إلى المياه، والذين لا فضّة لهم هلمّوا اشتروا وكلوا، هلمّوا اشتروا بغير فضّة ولا ثمن خمرًا ولبنًا حليبًا. لماذا تَزِنون فضّة لما ليس بخبز، وتتعبون لِما لا شبع فيه؟ اسمعوا لي سماعًا وكلوا الطيّب. ولتتلذ ّذ بالدّسم نفوسكم” (أش 55/ 1 – 2).

مريم، في هذا النصّ الإنجيليّ، توجّه أنظارنا إلى المسيح لنصنع ما يقوله لنا، ونتمّم إرادته كما أنّه هو يتمّم إرادة أبيه السماويّ/ إذ ّاك يظهر لنا مجد المسيح. يقول البابا يوحنّا بولس الثاني:

“هناك عنصر جوهريّ في دور أمومة مريم، نراه في ما أمرت به الخدّام: “مهما قال لكم فافعلوه”. إنّ أمّ المسيح تظهر أمام البشر وكأنّها الناطقة باسم الابن، تعبّر عن إرادته وترشد إلى ما يقتضيه تجلّي قدرة المسيح الخلاصيّة. ففي قانا يستهلّ يسوع “ساعته” بفضل ضراعة مريم وطاعة الخدّام، وفي قانا تظهر مريم امرأة تؤمن بيسوع، وإيمانها هذا يُخرِجُ إلى النور أولى العجائب ويُسهم في بعث إيمان التلاميذ”.

ثمّ يتابع قداسة البابا موضحًا معنى وساطة مريم وعلاقتها بواسطة السيّد المسيح انطلاقًا من المجمع الفاتيكاني الثاني:

“فيمكننا إذاً أن نقول إنّ هذه الصفحة من إنجيل يوحنّا تضعنا أمام أوّل ظهور لحقيقة الحنان، حنان الأمّ، في مريم. وهذه الحقيقة عبّر عنها، في زمن غير بعيد، تعليم المجمع الأخير. وإنّه لمن الأهميّة أن نشير إلى أنّ دور أمومة مريم هذا تفسّره علاقته بوساطة المسيح، إذ نقرأ إنّ “دور مريم تجاه البشر، وهو دور أمّ، لا ينال ولا ينتقص في شيء من وساطة المسيح الفريدة، بل يُظهر، على خلاف ذلك، فعاليّتهاز لأنّ الوسيط بين الله والناس واحد، الإنسان المسيح يسوع” (1 تي 2/ 5). ووساطة مريم، وهي وساطة أمّ، تنبع، وفقـًا لما أراده الله، “من فيض استحقاقات المسيح. فهي تستند إلى وساطته هو، وترتبط بها ارتباطـًا كلّيـًّا وتستمدّ منها كلّ ما لها من فعاليّة”.

وبهذا المعنى عينه نرى في ما حدث في قانا الجليل الاعتلان الأول لوساطة مريم. وهي وساطة تتّجه كلّيـًّا صوب المسيح وتهدف إلى إبراز قدرته الخلاصيّة. ويستخلث من النصّ الوارد في يوحنّا أنّنا حيال وساطة أمّ. والمجمع يؤكّد أنّ مريم قد أضحت لنا، على صعيد النعمة أمًّا. وهذه الأمومة، على صعيد النعمة، تنطلق من أمومتها الإلهيّة عينها، “فالعذراء الطوباويّة التي اصطفاها الله منذ الأزل، لتكون، في تصميم تجسّد الكلمة، أمًّا لله، قد صارت على الأرض، بتدبير من العناية الإلهيّة، الأمّ المحبوبة للفادي الإلهيّ، الذي أشركها بسخاء، بامتياز فريد على الإطلاق، في عمله، وأمة للربّ وضيعة. فإنّها بحملها المسيح وولادته وتغذيته وتقديمه في الهيكل للآب، وتألّمها مع ابنها في موته على الصليب، أسهمت بطاعتها وإيمانها ورجائها ومحبّتها، في عمل المخلّص إسهامًا لا مثيل له على الإطلاق، من أجل أن تعاد إلى النفوس الحياة الفائقة الطبيعة. لذلك كانت، في نظام النعمة، أمًّا”. وأمومة مريم هذه، في تدبير النعمة، تستمرّ بلا انقطاع، إلى أن يكتمل نهائيًّا جميع المختارين”.

مريم العذراء على أقدام الصَّليب (يو 19/ 25 – 27).

في عرس قانا قال يسوع لأمّه: “ما لي ولك يا امرأة، إنّ ساعتي لم تأتِ بعد”. وقبل آلامه قال: “لقد حانت الساعة التي يُمجَّد فيها ابن البشر. الحقّ الحقّ أقول لكم: إنّ حبّة الحنطة التي تقع في الأرض، إن لم تمت فإنّها تبقى وحدها، وأمّا إن ماتت فإنّها تأتي بثمرٍ كثير… الآن نفسي قد اضطربت. وماذا أقول؟ يا أبتاه، أنقذني من هذه الساعة ولكن لأجل هذه الساعة قد جئت. أيّها الآب، مجّد اسمك”. فجاء صوت من السماء : “قد مجّدته، وسأمجّده أيضًا”. وسمع الجمع الواقف هناك، فقالوا: “هو رعد!”. وقال آخرون: “قد كلّمه ملاك!”. لإاجاب يسوع، وقال: “ليس من أجلي كان هذا الصوت، بل من أجلكم. الآن دينونة هذا العالم. الآن رئيس هذا العالم يلقى خارجًا. وأنا متى رُفعت عن الأرض اجتذبت إليَّ الجميع”. قال يسوع هذا ليدلّ على أيّة ميتة كان مزمعًا أن يموتها” (يو 12/ 23 – 33).

ساعة يسوع هي ساعة عودته إلى السماء أي دخوله مجد الآب: “فإنّه لم يصعد أحد إلى السماء إلّا الذي نزل من السماء، ابن البشر الكائن في السّماء. وكما أنّ موسى قد رفع الحيّة في البريّة، كذلك ينبغي أن يُرفع ابن البشر، لكي تكون به الحياة الأبديّة لكلّ من يؤمن به” (يو 3/ 13- 15؛ راجع أيضًا يو 13/ 1).

ساعة موت يسوع هي إذاً ساعة تمجيده وفي الوقت عينه ساعة بدء الملكوت، العالم الآتي، الذي فيه يحصل المؤمنون به على الحياة الأبديّة. “سينظرون غلى الذي طعنوه” (يو 19/ 37؛ زخريّا 12/ 10). “بيد أنّ واحدًا من الجند طعن جنبه بحربة، فخرج للوقت دم وماء” (يو 19/ 34). الدّم يشهد على حقيقة ذبيحة الحمل، والماء، الذي هو إشارة إلى الرّوح القدس في إنجيل يوحنّا، يرمز إلى الحياة الأبديّة، إنّه الماء الحيّ الذي يُحيي المؤمنين بالمسيح. لذلك رأى بعض الآباء في الدّم رمز الإفخارستيّا وفي الماء رمز المعموديّة، وهذان السرّان هما علامة الكنيسة لأنّهما السرّان الأساسيّان اللذان بهما تتكوّن وتنمو.

في هذه الساعة، ساعة المجد وساعة الفداء وساعة بدء الملكوت ونشأة الكنيسة شعب الله الجديد، نرى مريم واقفة عند أقدام صليب يسوع: “وكانت أمّ يسوع وأخت أمّه مريم زوجة كليوبّا، ومريم المجدليّة، واقفاتٍ عند صليبه. فلمّا رأى يسوع أمّه وبقربها التلميذ الذي كان يحبّه، قال لأمّه: “يا امرأة، هوذا ابنك”. ثمّ قال للتلميذ: “هي ذي أمّك”. ومنذئذ أخذها التلميذ إلى بيته الخاصّ” (يو 19/ 25-27). بهذه الكلمات صارت مريم أمًّا لجميع تلاميذ يسوع وأحبّائه. إنّ ابنها يسوع يغادرها، ولكنّه يعطيها أبناء آخرين: “في الساعة التي ينكشف فيها عمق شخص الكلمة، يتجلّى أيضًا عمق شخص مريم: لقد جُعلت لتصير أمًّا، هذا هو كيانها الصميم، أمًّا وحسب. وهي أمّ، ليس لأنّها تأخذ، بل لأنّها تعطي.

ويشير يوحنّا إلى مقارنة: عندما يموت يسوع يظهر ابن الله، وعندما تذهب مريم إلى بيت التلميذ الذي كان يسوع يحبّه تظهر أمّ الله. هذا هو تقديسها، كما يقول السيّد المسيح في صلاته الأخيرة: “وأنا أقدّس ذاتي، لكي يكونوا هم أيضًا مقدّسين بالحقّ” (يو 17/ 19). وذلك ليس فقط لأنّها ولدت يسوع، بل لأنّها قبلت أن تصير أمًّا لجميع الذين يحيا فيهم المسيح القائم من بين الأموات. مريم ليست أمرًا عارضًا، آلة وقع عليها الاختيار بطريق الصدفة، بل هي التي تشارك بدعوتها تاريخ ابنها. إنّها الأمّ”.

في هذا الموضوع يضع جاورجيوس أسقف نيقوميدية (+حوالى 880) على لسان يسوع القول التالي: “من الآن فصاعدًا، أجعل مريم دليلا ً للتلاميذ، وأمًّا ليس فقط لك بل لجميع الآخرين. وأريد أن تكرَّم بحقٍّ إكرام الأمّ. وإذا كنت قد منعتكم من أن تدعوا أحدًا أبًا لكم على الأرض، فإنّي الآن أريد أن تدعوا مريم أمًّا لكم. وتكرّموها كأمّ”. وكذلك يقول البابا يوحنّا بولس الثاني: “إنّ الكلمات التي يتلفّظ بها يسوع وتتساقط من أعلى الصليب، تشير إلى أنّ أمومة والدته تجد لها امتدادًا في الكنيسة وبالكنيسة، ممثـّلة بيوحنّا. وهكذا “فالممتلئة نعمة” التي أدخلت سرّ المسيح لتكون أمًّا له، أعني والدة الإله الفائقة القداسة، تظلّ في هذا السرّ في الكنيسة بوصفها “المرأة” التي يعنيها سفر التكوين (3/ 15) في البدء وسفر الرؤيا (12/ 1) في خاتمة تاريخ الخلاص”.

حوّاء الجديدة (تك 3/ 15).

بعد خطيئة آدم وحوّاء، طردهما الله من الفردوس، أي إنّهما فقدا حياة النعمة. لكنّ الله وعدهما بالخلاص، إذ قال للحيّة، رمز الشيطان والشرّ ورفض الله: “سأجعل عداوة بينكِ وبين المرأة وبين نسلكِ ونسلها. فهو يسحق رأسك. وأنت تصيبين عقبه بجروح” (تك 3/ 15).

يُنبئ النصّ الكتابيّ بقيام عداوة بين نسل الحيّة ونسل حوّاء، أي بين “الشيطان” و”الإنسان”، ويلمّح إلى انتصار الإنسان في النهاية، وفي ذلك أوّل تبشير بالخلاص قبل بشارة الإنجيل. إنّ الترجمة اليونانيّة “السبعينيّة” تبتدئ الجملة الأخيرة بضمير المذكّر، فيُنسب ذلك الانتصار، لا إلى نسل المرأة بوجه عامّ، بل إلى أحد أبناء تلك المرأة، لا إلى الجماعة البشريّة، بل إلى فرد من تلك الجماعة. ومن هنا انطلق التفسير الماسيويّ الذي أوضحه في ما بعد كثير من آباء الكنيسة. فهذا الشخص الذي سيسحق رأس الحيّة هو السيّد المسيح. أمّا القدّيس إيرونيموس (347 – 420) ففي ترجمته اللاتينيّة يبدأ الجملة  الأخيرة بضمير المؤنّث “هي تسحق رأسك”، ويعني بهذا الضمير المرأة. واستنادًا إلى هذه الترجمة أصبح التفسير المريميّ للمرأة تقليديًّا في الكنيسة الغربيّة.

كيف يمكننا تفسير هذه النبوءة؟ إنّ كلمة “المرأة” في هذا النصّ يجبُ ألّا تؤخَذ بمعناها الحرفيّ كأنّها تعني شخصًا فردًا، بل يجب فهمها بمعناها الشامل. إذ ّاك تدلّ على المرأة إجمالا ً. بيد أنّ حوّاء ومريم كلتيهما تدخلان في هذه الدلالة الشاملة. وإذا اعتبرنا أنّ  اللّغات الساميّة تنظر من وراء  المعاني الشاملة إلى أهمّ الأفراد الذين تتحقّق فيهم المفاهيم التي يراد التعبير عنها، صحّ القول إنّ الكاتب قد يكون فكّر عند ذلك ببعض النساء اللواتي اشتركن اشتراكًا أشدّ فعاليّة في النزاع القائم بين الحيّة والجنس البشريّ، ومنهنّ حوّاء المذكورة في النصّ المجاور، والعذراء الطاهرة “أمّ المولود الفريد الذي سينتصر على الحيّة” انتصارًا نهائيًّا. فنكون بهذا قد بلغنا إلى معنى حرفي “كامل” قد يكون وراء تفكير الكاتب في وجدانه الواعي، ولكنّه واضح على كلّ حال أمام الله المؤلّف الأوّل والأساسيّ للكتاب المقدّس. ولا تكون الترجمة السبعينيّة وترجمة القدّيس إيرونيموس، مع ابتعادهما عن الأصل العبرانيّ، سوى إيضاحات إضافيّة لا تخرج على المعنى الأصليّ.

إنّ تفسير هذه الآية ينطلق من النسل بنوع عام ليصل إلى شخص فرد سيسحق الشرّ. يقول أحد المفسّرين المعاصرين:

“كلمة نسل تدلّ على شخص فرد، وهذا الشخص سيسحق الشرّ، ولكنّ الشرّ سيؤلمه حين يصيبه بجروح، حين يعضّه. أمّا المرأة فهي تمثـِّل البشريّة. أجل إنّ الخلاص لا يأتي مباشرة من السماء، بل يحتاج إلى مشاركة البشر. والمخلّص المنتظر يكون ابن البشريّة وابن المرأة. وعندما يأتي ملء الزمان، نفهم أنّ المرأة شخص فرد. إنّها مريم التي تشارك ابنها في صراعه مع الشرّ. إنّها البشريّة المخلّصة تشارك مسيحها في عمل الخلاص. نسل المرأة يخلّصنا، والمرأة تمثـِّل البشريّة الخاطئة. ولكنّ هذه البشريّة تحمل بذار القداسة، ومن هذه البذار ينبت المخلّص. وهنا تبدو مريم عظيمة لأنّها تمثـِّل البشريّة العائشة في ضيق والمنتظرة ساعة الخلاص. مريم هي “المرأة” في عرس قانا الجليل وعند الصَّليب، وهي صلة الوصل بين يسوع وتلاميذه. مريم هي حوّاء الجديدة وأمّ الأحياء، لأنّ ابنها يسوع هو حياة العالم”.

فقول يسوع لأمّه: “يا امرأة” هو للتأكيد أنّ مريم هي حوّاء الجديدة وانّها تمثـِّل البشريّة التي تشارك المسيح في خلاص العالم.

المرأة الملتحفة بالشمس (رؤ 12/ 1- 6 ؛ 13 – 17)

مريم العذراء تمثـِّل ابنة صهيون، شعب العهد القديم الذي ينتظر ولادة المسيح المخلّص. وبعد أن ولدت المسيح صارت صورة للكنيسة التي تلد على مدى الزمان أعضاء جسد المسيح السريّ. اختيارها من قبل الله وعلاقتها بالمسيح هما صورة الكنيسة ومسيرتها عبر التاريخ. هذا ما يشير إليه النصّ التالي من سفر الرؤيا:

“ثمَّ ظهرت في السماء آية عظيمة: امرأة ملتحفة بالشمس، وتحت قدمها القمر، وعلى رأسها إكليل من اثنيّ عشر كوكبًا، وهي حُبلى، وتصيح وقد اعتراها المخاض ومشاقّ الولادة. وظهرت آية أخرى في السماء. فإذا تنّين عظيم… ووقف التنّين قبالة المرأة المشرفة على الولادة، ليفترس ولدها عندما تلده. فولدت ولدًا ذكرًا، هو المزمع أن يرعى جميع الأمم بعصًا من حديد، فاختُطِفَ الولد إلى الله وإلى عرشه، وهربت المرأة إلى البريّة، حيث أعدّ لها الله خلوة، تُعال فيها ألفًا ومئتين وستين يومًا. حينئذٍ نشب قتال في السماء: مخائيل وملائكته قاتلوا التنّين… وطرح التنّين العظيم، الحيّة القديمة، المسمّى “إبليس” و”الشيطان” مضلّ المسكونة بأسرها، طـُرح إلى الأرض وطـُرحت ملائكته معه… ولمّا رأى التنّين أنّه قد طـُرح على الأرض، طارد المرأة التي ولدت الولد الذ َّكر. فأ ُعطيَت المرأة جناحَي العقاب العظيم، لتطير إلى البريّة، إلى خلوتها، بعيدًا عن وجه الحيّة، حيث تعال زمانًا، وأزمنة، ونصف زمان. فألقت الحيّة من فيها، في إثر المرأة، ماء كالسيل، لتهلكها به. فأغاثت الأرض المرأة: فتحت فاها وابتلعت السيل الذي ألقاه التنّين من فيه. فغضب التنّين على المرأة. وذهب ليحارب باقي نسلها، الذين يحفظون وصايا الله، ويقبلون شهادة يسوع. وأقام على رمل البحر” (رؤ 12/ 1 -18).

توحي هذه الرؤيا بالسقطة الأولى التي تعرّض لها الإنسان في بدء الخليقة. ففي كلا النصّين عدّة عناصر مشتركة: المرأة، نسلها، الحيّة، العراك الذي نشب بينهما، انتصار المرأة وولادتها قايين (تك 3/ 15-16، 20 ؛ 4/ 1). إسرائيل في العهد القديم صوّره الأنبياء بملامح امرأة، “إبنة صهيون” التي تعاني أوجاع الولادة. وبعد تلك الأوجاع تفرح بمجيء المخلّص: “المرأة، إذا ما حان وضعها، تحزن لأنّ ساعتها قد أتت، ولكنّها متى وضعت الطفل لا تعود تتذكّر شدّتها فرحة بأنَّ إنسانًا وُلد في العالم. وأنتم أيضًا، فإنّكم الآن في حزن، ولكنّي سأراكم من جديد، فتفرح قلوبكم، وفرحكم هذا لا يقدر أحد أن ينتزعه منكم” (يو 16/ 21-22). إنّ صورة المرأة التي تلد ترمز أيضًا إلى عمل فداء المسيح الذي أتمّه بموته وقيامته.

ظهور المرأة الملتحفة بالشمس كما صوّرها سفر الرؤيا هو تحقيق الرجاء الماسيويّ الذي بدأت ملامحه في سفر التكوين في وعد الله للمرأة بأنّ نسلها سيسحق رأس الحيّة. هذه المرأة هي أوّلا ً “ابنة صهيون“، شعب العهد القديم الذي بقي ثابتًا في انتظار مجيء المسيح من خلال أوجاع تاريخه، وهو يرتكز على ذكرى فدائه السابق من عبوديذة مصر، ويرجو خلاصه النهائيّ، وقد كان في عراك دائم ضدّ قوى الشرّ التي استخدمت الأمم لإزالته. وهذه المرأة هي ثانيًا الكنيسة التي ستعاني الاضطهادات، ولكنّها متيقّنة بالنصر. فغنّها “ملتحفة بالشمس”، أي بنور المسيح ونور حضور الله، و”تحت قدميها القمر”، رمز الدنيويّات التي تزدريها والخلائق التي تسودها، وعلى رأسها إكليل من اثني عشر كوكبًا هم الرسل الاثنا عشر. ستعاني الاضطهاد زمانًا يسيرًا تلجأ فيه إلى البريّة، أي إلى الخلوة مع الله لتتأمّل في محبّته وتغتذي بقربان المسيح الذي بقيامته من بين الأموات صار عربون دخولها الممجَّد إلى ملكوت الله.

وهذه المرأة هي أخيرًا مريم العذراء “بنت صهيون” الجديدة أمّ المسيح الفادي الذي ارتفع إلى عرش الله. والرؤيا تجمع بين ولادة المسيح على الأرض وولادته بالقيامة إلى السماء بعد آلام الصّليب. “فالله، حسب قول بولس الرسول، قد أقام يسوع على ما هو مكتوب في المزمور الثاني: أنت ابني وأنا اليوم ولدتك” (أع 13/ 33). ومريم العذراء تشارك ابنها في هذه الولادة بالأوجاع إلى القيامة.

مريم العذراء مع الرسل في العلّيّة (أع 1/ 12 -14)

بعد صعود المسيح إلى السماء، رجع الرسل إلى أورشليم وصعدوا إلى العلّيّة حيث أكلوا فيها الفصح الأخير مع السيّد المسيح، و”كانوا مواظبين على الصلاة بنفس واحدة مع بعض النساء ومريم أمّ يسوع، ومع إخوته” (أع 1/ 14). مريم هي عضو في الكنيسة وتصلّي مع الرسل طالبة حلول الروح القدس الذي به يبدأ في الكنيسة زمن الكرازة والرسالة. إنّها صورة الكنيسة الأمّ، إنّها تجسيد الأمومة في الكنيسة، وليس لها دور خدمة ولا رئاسة كالرسل. إنّها في وسط الكنيسة الأولى تؤدّي دور الأمّ التي تقود المؤمنين إلى المسيح.

“فهناك إذاً، في تدبير النعمة الذي تحقّق بفعل الرّوح القدس، تزامن فريد بين تجسّد الكلمة وولادة الكنيسة. والشخص الذي يجمع بين هذين الحدثين هو مريم: مريم في الناصرة، ومريم  في علّيّة أورشليم. وفي الحدثين تظهر مريم بحضورها الأساسيّ، وإن كان هذا الحضور بعيدًا عن الأضواء، السبيل إلى الولادة بالرّوح. وهكذا، فصاحبة الحضور في سرّ المسيح بوصفها أمًّا له، تضحي حاضرة، بإرادة الابن والرّوح القدس، في سرّ الكنيسة. ولا تزال تواصل في الكنيسة حضورها، حضور الأمّ وفقًا لمدلول الكلمات التي هبطت من على الصّليب: “يا امرأة، هوذا ابنك”، “هي ذي أمّك”.

(المطران كيرلّس سليم بسترس)

الإعلان

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s