شهود يهوه – الجزء الرابع

تفسيرهم للكتاب المقدس

وانسجاماً مع هذه النظرية يفسّرون (أعمال الرسل ١: ١١)، هكذا: «إِنَّ يَسُوعَ هٰذَا ٱلَّذِي ٱرْتَفَعَ عَنْكُمْ إِلَى ٱلسَّمَاءِ سَيَأْتِي هٰكَذَا كَمَا رَأَيْتُمُوهُ مُنْطَلِقاً إِلَى ٱلسَّمَاءِ». إنّ هذه الآية لا تعني بأنّه سيأتي منظوراً في الجسد، بل يأتي بالطريقة عينها كما ذهب بلا ضجة ولا مهرجان ولا صوت بوق، بل بهدوء وسكينة مثل اللص. وقبل انطلاقه قال لتلاميذه: «وَتَكُونُونَ لِي شُهُوداً» (أعمال الرسل ١: ٨) فشهوده فقط رأوه يذهب. ولا غرو في أنّ الشهود الأمناء الذين هم شهود يهوه يكون لهم امتياز رؤياه. ولكن رجوعه سيكون منظوراً من عيون القلوب المستنيرة بإعلانات الكلمة الإلهية (ليكن الله صادقاً صفحة ٢٠٠-٢٠٢).

الجواب: لقد قال المسيح لتلاميذه إنّ العالم لن يراه أيضاً ولكن هم سيرونه (يوحنّا ١٤: ١٩). وهذا ما حدث بالضبط بين القيامة والصعود. حيث لم يظهر ذاته إلا لخاصته. ولكن الكتاب الإلهي، لم يتوقف على ذكر هذا فقط، بل ذكر أيضاً حقيقة أخرى، وهي أن العالم الذي رفضه، سيراه ذات يوم، وذلك عند مجيئه الثاني كديان.

«هُوَذَا يَأْتِي مَعَ ٱلسَّحَابِ، وَسَتَنْظُرُهُ كُلُّ عَيْنٍ، وَٱلَّذِينَ طَعَنُوهُ، وَيَنُوحُ عَلَيْهِ جَمِيعُ قَبَائِلِ ٱلأَرْضِ» (رؤيا يوحنّا ١: ٧) فالذين طعنوه، ليسوا هم شهوده الحقيقيين، وكذلك حين يقول الكتاب إنّ كل عين ستراه – لا يعني عين القلب.

(٥) يضيفون أفكارهم الخاصة إلى النصوص الكتابية، بحيث يحملون الكتاب المقدس على أن يتكلم بما لم يرد فيه. مثلاً على ذلك قولهم: «إن الذين لهم نصيب في القيامة الأولى، لن يحضروا بالجسد، بل بالروح. وسيكونون مثل يسوع، غير منظورين من الناس» (ليكن الله صادقاً صفحة ٢٠٢).

الجواب: لقد ظهر ربنا يسوع المسيح للتلاميذ في الجسد وأعطاهم البراهين (أعمال الرسل ١: ٣) إذ قال لهم: «أُنْظُرُوا يَدَيَّ وَرِجْلَيَّ: إِنِّي أَنَا هُوَ. جُسُّونِي وَٱنْظُرُوا، فَإِنَّ ٱلرُّوحَ لَيْسَ لَهُ لَحْمٌ وَعِظَامٌ كَمَا تَرَوْنَ لِي» (لوقا ٢٤: ٣٩).

ونقرأ أيضاً في كتابات الرسول بولس هذه الآيات:

«لٰكِنْ يَقُولُ قَائِلٌ: كَيْفَ يُقَامُ ٱلأَمْوَاتُ، وَبِأَيِّ جِسْمٍ يَأْتُونَ؟ يَا غَبِيُّ! ٱلَّذِي تَزْرَعُهُ لاَ يُحْيَا إِنْ لَمْ يَمُتْ. وَٱلَّذِي تَزْرَعُهُ، لَسْتَ تَزْرَعُ ٱلْجِسْمَ ٱلَّذِي سَوْفَ يَصِيرُ، بَلْ حَبَّةً مُجَرَّدَةً، رُبَّمَا مِنْ حِنْطَةٍ أَوْ أَحَدِ ٱلْبَوَاقِي. وَلٰكِنَّ ٱللّٰهَ يُعْطِيهَا جِسْماً كَمَا أَرَادَ… هٰكَذَا أَيْضاً قِيَامَةُ ٱلأَمْوَاتِ: يُزْرَعُ فِي فَسَادٍ وَيُقَامُ فِي عَدَمِ فَسَادٍ. يُزْرَعُ فِي هَوَانٍ وَيُقَامُ فِي مَجْدٍ. يُزْرَعُ فِي ضُعْفٍ وَيُقَامُ فِي قُوَّةٍ» (١ كورنثوس ١٥: ٣٥-٤٢).

«فَإِنَّ سِيرَتَنَا نَحْنُ هِيَ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ، ٱلَّتِي مِنْهَا أَيْضاً نَنْتَظِرُ مُخَلِّصاً هُوَ ٱلرَّبُّ يَسُوعُ ٱلْمَسِيحُ، ٱلَّذِي سَيُغَيِّرُ شَكْلَ جَسَدِ تَوَاضُعِنَا لِيَكُونَ عَلَى صُورَةِ جَسَدِ مَجْدِهِ، بِحَسَبِ عَمَلِ ٱسْتِطَاعَتِهِ أَنْ يُخْضِعَ لِنَفْسِهِ كُلَّ شَيْءٍ» (فيلبّي ٣: ٢٠-٢١).

(٦) يبدّلون ما يقوله الكتاب المقدس. أورد على سبيل المثال مثل لعازر والغني (لوقا ١٦: ١٩-٣١) الذي يزعج شهود يهوه، لهذا كان لا بدّ لهم من إبدال الحقيقة الكتابية بأكاذيب ما أنزل الله بها من سلطان. قالوا:

«إنّ العبارات الواردة في (لوقا ١٦: ١٩-٣١)، لا تبرهن عن وجود جهنم… إنها في الحق مَثَل يخفي وراءه حقيقة مختلفة تماماً. لأنّه من غير المعقول أن يذهب إنسان إلى العذاب، لا لعلة أخرى، سوى أنّه غني يتنعّم بأفخر الملابس وأطيب المآكل. مع العلم أنّ هذا الغني في المثل لم يرتكب ذنباً غير السكن في قصر ولبس الحرير وأكل الطيّب! وإنّه لمن المضحك الزعم أنّه من مؤهلات الصعود إلى السّماء، أن يكون الإنسان متسوّلاً شحاذاً يلبس رث الثياب، ويضطجع في أسفل سلم أحد الأغنياء ليلتقط الفتات الساقط من مائدته، وأن يكون جسمه مصاباً بالقروح، معصب الرأس والساقين، تحيط به كلاب الشارع لتلحس قيْح قروحه وصديد (الدم المختلط بالقيْح) جروحه… لقد كان هذا المثل صورة نبوية رسم فيه أشياء تتم في نهاية هذا العالم حيث نحن الآن منذ عام ١٩١٨. وهو يمثل صنفين من الأحياء على وجه الأرض اليوم. فالغني يمثّل المسيحيّة الأنانية التي بلغت من البعد عن الله ما حرمها عطفه ورضاه. وصاروا بهذا المعنى أمواتاً لنعمته – أمّا لعازر المسكين فيمثّل الودعاء الذين هم أعضاء جسد المسيح» (ليكن الله صادقاً صفحة ٨٣ و٨٤).

من البديهي أنّ شهود يهوه يضعون أنفسهم في الصنف الثاني. ولكنّهم بهذا يناقضون أقوالهم السابقة، لأنهم بإقرارهم أنّ لعازر يمثّل صف الملكوت، لا يبقى من المضحك في شيء أن يعتقد أحد بوجوب ارتداء الثياب الرثة عند انتسابه إلى صف الملكوت عن طريق انضمامه إلى شيعتهم.

إنّ المسيحي الأصيل لا يحتاج إلى وقت طويل لكي يعلم بأنّه أمام جماعة مُضلّين، لا يؤمنون بوجود سعادة أبدية للمفديين بدم يسوع، ولا يعتقدون بوجود العذاب الأبدي للأشرار الذين لم يؤمنوا بالمسيح، الإله الحق، الذي يستطيع وحده أن يخلّصهم.

المسيح قال، وقوله الحق: «فَمَاتَ ٱلْمِسْكِينُ وَحَمَلَتْهُ ٱلْمَلاَئِكَةُ إِلَى حِضْنِ إِبْرَاهِيمَ. وَمَاتَ ٱلْغَنِيُّ أَيْضاً وَدُفِنَ، فَرَفَعَ عَيْنَيْهِ فِي ٱلْهَاوِيَةِ وَهُوَ فِي ٱلْعَذَابِ… فَنَادَى إَنِّي مُعَذَّبٌ فِي هٰذَا ٱللَّهِيبِ» (لوقا ١٦: ٢٢-٢٤).

(٧) يضلون الناس بتوراتهم الجديدة التي يطلقون عليها اسم «ترجمة العالم الجديد». فحينما يرتبكون أمام بعض نصوص الكتاب المقدس يزعمون أنّ هذا النص لم يترجم حسناً. وذاك النص تقتصر قيمته على الناحية الرمزية. ولكن أسوأ ما عملوا هو تقديمهم للعالم توراة زائفة يسمّونها «ترجمة العالم الجديد» بعد أن بدّلوا الكلمات الكثيرة التي تزعج تعليمهم بكلمات أخرى تختلف بمعانيها عن الأصل.

فمن النشرة المسماة «نار الجحيم» التي يصدرونها، اخترت عبارة طريفة لأقدمها للقارئ نموذجاً على ما يقومون به من ضروب التزوير في النصوص المقدسة:

«ليس الله بفظ ولا بقاس، لذلك لا يمكن أن يحكم على الشرير، الذي لا يمكن إصلاحه بالعذاب. بل بالحري يحكم عليه بالموت، أي الملاشاة الأبدية لحياته، وعدم القيامة» (متّى ٢٥: ٤٦ – ترجمة العالم الجديد).

أمّا نصّ الآية فهو كما يلي: «فَيَمْضِي هٰؤُلاَءِ إِلَى عَذَابٍ أَبَدِيٍّ وَٱلأَبْرَارُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ» (متّى ٢٥: ٤٦).

فشهود يهوه حرّفوا النصّ بإبدال كلمة عذاب أبدي بكلمة ملاشاة. ومن هنا يُرى أنّ سوء أمانتهم لا يقف عند حد.

٦ – طرقهم ووسائلهم في العمل

«لأَنَّ مِثْلَ هٰؤُلاَءِ هُمْ رُسُلٌ كَذَبَةٌ، فَعَلَةٌ مَاكِرُونَ، مُغَيِّرُونَ شَكْلَهُمْ إِلَى شِبْهِ رُسُلِ ٱلْمَسِيحِ» (٢ كورنثوس ١١: ١٣).

طرقهم

١ – التجوّل في كلّ مكان

حين ينام المسيحيون يستيقظ عدوّ النفوس ويحرّك عملاءه لتوزيع منشوراتهم المضلّة. إنهم يتجوّلون في المدن والقرى باسم «شهود يهوه» ويطوفون بالبيوت لنشر مبادئهم. وفي معظم الأحيان لا يعرف أعضاء الكنائس الموقف الواجب اتخاذه حيالهم.

إنّ نبذهم وكتبهم، تمتاز بألوانها الزاهية وأغلفتها المزدانة بأجمل الصور. والآيات الكتابية التي يصدّرون بها المواضيع تجذب القارئ وتثير فيه الرغبة لمطالعتها. وكذلك الأسعار الزهيدة التي يتقاضونها ثمناً لمطبوعاتهم تغري الناس باقتنائها.

ويُضفي جواب شهود يهوه على أحاديثهم مع الناس ألواناً من العذوبة، والتهذيب، مما يكسبهم العطف في معظم الأحيان. لا سيما وهم يحسنون الاستفادة مما ورد في (أعمال الرسل ١: ٨) حيث يقول المسيح «وَتَكُونُونَ لِي شُهُوداً» إذ يزعمون أنهم أولئك الشهود الأمناء الذين كرّسوا حياتهم لنشر ملكوت الله.

وينجح شهود يهوه في حملاتهم التبشيرية في غفلة من قادة الكنائس، الذين تُلهيهم الأمور الإدارية والنشاطات الاجتماعية عن نشر البذار الجيد في حقول الرعية.

في الواقع أنّ كثيرين من المسيحيين وقعوا فريسة التعليم المضلل بسبب جهلهم أمور الكتاب المقدس، لأنهم لم يميزوا بينه وبين تفاسير أهل البدع، التي تُوزّع في كل وسط.

قال أحد موزّعي الكتاب المقدس: «خلال تجوالي في إحدى القرى دخلت بيتاً لعرض ما معي من كتب مقدّسة. ولم أكد أوضح الغاية من زيارتي حتى فاجأني رب البيت بالقول: «لا لزوم يا سيدي، فمنذ أيام قريبة اشتريت كتاباً مقدساً من سيدة مرّت بنا». فقلت له: «حسناً يا سيدي، ولكن هل تريد أن تريني هذا الكتاب؟» فقال: «نعم»، ثم تناول من على طاولة كتاباً أنيق التجليد، يحمل هذا العنوان «ليكن الله صادقاً».

إنّه عنوان مدهش حقاً، ولكن من خداع العناوين، لأنّ بين دفّتيه تكمن معظم مغالطات شهود يهوه. من هنا وُضِعت الضرورة على قادة الكنائس أن يبذلوا الجهود حتى يوجدوا في كل بيت الكتاب المقدس، وأن يجرّدوا حملة توعية لتوجيه أفكار أعضاء الكنائس إلى وجوب دراسة الأسفار الإلهية، حتى إذا تعرّضوا لغزوات أهل البدع، عرفوا كيف يصدّونهم بالحق الإلهي.

٢ – حلقات دراسة الكتاب المقدس

يعتمد شهود يهوه طريقة أخرى لبث الدعوة، وهي دراسة الكتاب المقدس في البيوت. وهل من طريقة أفضل من درس الكتاب المقدس لجذب بسطاء الإيمان؟ لذلك نشطوا في عقد حلقات لدراسة الكتاب في البيوت، وذلك وفقاً لطرقهم الخاصة، مما يشكل خطراً مباشراً على العقيدة المسيحية الصحيحة.

قلت على المسيحيين أن ينتبهوا إلى هذا الخطر، برفض هؤلاء المبتدعين، وفقاً لوصية الرسول يوحنا: «ٱنْظُرُوا إِلَى أَنْفُسِكُمْ لِئَلاَّ نُضَيِّعَ مَا عَمِلْنَاهُ، بَلْ نَنَالُ أَجْراً تَامّاً. كُلُّ مَنْ تَعَدَّى وَلَمْ يَثْبُتْ فِي تَعْلِيمِ ٱلْمَسِيحِ فَلَيْسَ لَهُ ٱللّٰهُ. وَمَنْ يَثْبُتْ فِي تَعْلِيمِ ٱلْمَسِيحِ فَهٰذَا لَهُ ٱلآبُ وَٱلٱبْنُ جَمِيعاً. إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَأْتِيكُمْ وَلاَ يَجِيءُ بِهٰذَا ٱلتَّعْلِيمِ، فَلاَ تَقْبَلُوهُ فِي ٱلْبَيْتِ، وَلاَ تَقُولُوا لَهُ سَلاَمٌ. لأَنَّ مَنْ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ يَشْتَرِكُ فِي أَعْمَالِهِ ٱلشِّرِّيرَةِ» (٢ يوحنّا ٨-١١).

في يقيني أنّ شهود يهوه لن يحملوا إلى أحد التعليم الصحيح الذي نادى به ربنا المبارك، لأنهم قبل كل شيء يجحدون لاهوته، كما أنهم ينكرون تجسده وموته الكفاري الذي علّم به الكتاب المقدس.

٣ – الاجتماعات العامة

يدعو شهود يهوه إلى اجتماعات عامة، يعلنون فيها أنهم لا يريدون إضاعة الوقت والمال في تأسيس كنائس. وإنما يعطون الفرصة لذوي الإرادة الحسنة، لكي ينشروا البشارة العظيمة في الأمكنة العامة، حتى وفي الشارع (ليكن الله صادقاً صفحة ٢٦٤).

والغاية من إذاعة هذه البشارة، هي بث روح الخوف في الأوساط، حتى يسرع الناس إلى الانضمام إلى شيعتهم هرباً من الشرور كما يدّعون ليدخلوا في الملكوت.

٧ – جمعية أصدقاء الإنسان

«كَيْ لاَ نَكُونَ فِي مَا بَعْدُ أَطْفَالاً مُضْطَرِبِينَ وَمَحْمُولِينَ بِكُلِّ رِيحِ تَعْلِيمٍ، بِحِيلَةِ ٱلنَّاسِ، بِمَكْرٍ إِلَى مَكِيدَةِ ٱلضَّلاَلِ» (أفسس ٤: ١٤).

وُلد فرايتاغ، مؤسّس جمعية أصدقاء الإنسان، في مدينة «بادن» بسويسرا. وقضى قسماً طويلاً من حداثته في مدينة «مونتري». وفي صغره شهد موت اثنين من رفاقه فتأثر كثيراً. وبعد حين فقد والده فامتلأت نفسه حزناً. وكان حزنه شديداً إلى درجة فقدان التعزية والوقوع في عقدة نفسية. وكذلك حلّت به مصائب عائلية أشدّها فقدان ابن عزيز. ويبدو أنّ الأحداث أثرت في مجرى حياته وأوجدت فيه ميلاً للبحث في أمور الحياة والموت والسعادة، فبذل جهوداً ومحاولات لكشف الأسرار المحيطة بهذه الأمور.

قرأ فرايتاغ كتب شارل رسل فانجذب في الضلالات، ولم يلبث أن اعتنق مبادئ تلاميذ التوراة. ثمّ جمع حوله عدداً من الأشخاص وراح ينشر تلك الضلالات، فاكتسب شعبية واسعة وتجمّع حوله المريدون.

ثمّ كرّس قلمه للكتابة فأصدر نشرته المسمّاة «الحياة الأبدية» وفيها مقاله الشهير بعنوان «أجرة الخطية» (صفحة ٨٦) وفيه يقول: «لم يبيّن الكتاب المقدس، كيف أستطيع التخلص من هذا الكابوس المخيف. وهو يعني بذلك أجرة الخطية، التي هي الموت».

وأنا أتساءل: لماذا لم يشر إلى بقية هذه الآية من رسالة رومية ٦: ٢٣… «وَأَمَّا هِبَةُ ٱللّٰهِ فَهِيَ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ بِٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا».

ففي هذا القسم من الآية جواب صريح وواضح حريٌّ أن يخرجه من كابوسه المخيف. ولعلّه قرأه، ولكن لم يؤمن به، مثله كالكثيرين من المبتدعين الذين لم يقبلوا على المعرفة لكي يخلصوا، بل ليستخدموها في زرع الشكوك في قلوب البسطاء. هؤلاء يقول الرسول بولس، إنّ الشيطان يعمل فيهم «بِكُلِّ خَدِيعَةِ ٱلإِثْمِ، فِي ٱلْهَالِكِينَ، لأَنَّهُمْ لَمْ يَقْبَلُوا مَحَبَّةَ ٱلْحَقِّ حَتَّى يَخْلُصُوا. وَلأَجْلِ هٰذَا سَيُرْسِلُ إِلَيْهِمُ ٱللّٰهُ عَمَلَ ٱلضَّلاَلِ، حَتَّى يُصَدِّقُوا ٱلْكَذِبَ، لِكَيْ يُدَانَ جَمِيعُ ٱلَّذِينَ لَمْ يُصَدِّقُوا ٱلْحَقَّ، بَلْ سُرُّوا بِٱلإِثْمِ» (٢ تسالونيكي ٢: ١٠-١٢).

انفصال فرايتاغ عن الرسليين

في عام ١٩١٩م. أذاع فرايتاغ في نشرته الحياة الأبدية نبأ انفصاله عن الرسليين، بعد أن نعتهم باللاودكيين الفاترين وهذا الإعلان أثار عاصفة من الاحتجاجات من قبل تلاميذ التوراة في أميركا.

وفي عام ١٩٢٠م. كتب في نشرة عنوانها «الإعلان الإلهي» وهو تاريخ القطيع الصغير من بدايته سنة ٣٣ ميلادية إلى سنة ١٩١٨م.

وفي عام ١٩٢٢م. أصدر كتاباً عنوانه «رسالة إلى الإنسانية» وهو أهم كتاباته، إذ ضمّنه القوانين الاجتماعية التي وضعها. ويقول جماعة فرايتاغ إنّ هذه الرسالة أُعطيت في ما بعد اسم «كتاب الذكريات».

ولكن كان على فرايتاغ بعد هذا أن يجتاز اختباراً مؤلماً، لأنه إذ كان في لندن يلقي محاضرة في موضوع «المدخل إلى ملكوت الله، وما يجب على الإنسان أن يعمله لكي لا يموت أبداً» توفي ابنه البكر في سويسرا. وعند عودته تلقى صدمة لا تقلّ سوءاً، وهي انسحاب ولديه الباقيين من الشيعة التي أسسها.

ومع أنّ موت ابنه كان برهاناً واضحاً على كذب تعاليمه في عدم تسرّب الموت إلى شيعته، فهو لم ينثن عن المضي في تعليمه، بل أخذ روح الضلالة يسيطر على حواسه أكثر فأكثر.

ولكي يغطي فشله قال هذا النبي الكاذب: «كان ينبغي قبل كل شيء أن نحتسب لعمل القدير ونلتزم بتدريب رصين، يرتكز على أسس نحياها بإخلاص، ونعطي بها البرهان القاطع على أنّ الإنسان يستطيع أن يحيا على الأرض إلى الأبد، وذلك باتّباعه المنهاج الذي وضعناه.

كان في الواقع علينا أن نقدّم للعالم نماذج وأمثلة بواسطة أناس تغيّرت ذاتيتهم، فصاروا من أهل الحياة الخالدة. أو بعبارة موجزة، كان علينا أن نقدّم أمثلة من أشخاص مسنّين، عاد الشباب إليهم باتّباع نظام «الحياة الأبدية».

إذاً سأخضع نفسي قبل كل شيء لنظام التقنين في الناحية الفكرية، كي لا أعيش في ما بعد إلا على العواطف المشروعة في الحنان والحب، لخاصتي وللناس، دون الاهتمام في ما إذا كانوا لي أم لا، مكرّساً كل اهتمامي لأكون أنا نفسي محباً… لقد حاربت الأنانية في نفسي، وقويت ثقتي في الله، لكي يتعهّد كل شيء فيّ. وبعد ذلك أخذت أراقب جسمي مقدماً له الأطعمة اللازمة والمتفقة مع نظام التعادل…

إنّ تمسّكي بهذه القواعد، أتاح لي بركة تفوق كل وصف. فقد تجدّد شبابي عشرين عاماً، لأنّ إنفاق الطاقة في أثناء عملي وشواغلي، كانت تعوّض عليَّ بوفرة، بالسائل الحي من روح الرب… وعلى هذا المنوال، ضاعفت التجربة الهائلة التي مررت بها رغبتي في الوصول إلى الهدف النهائي، وهو التأكيد أنّ الناس إذا اتّبعوا نظام «رسالة الإنسانية» وعاشوه بأمانة، يمكنهم الحصول على حياة أبدية على الأرض» (الحياة الأبدية صفحة ٩١-٩٢).

إنّ هذه التصورات الأقرب إلى الخيال منها إلى الحقيقة تؤكد لنا أنّ إبليس لم يمت بعد، وأننا ما زلنا نسمع صوت الحية القديمة الذي رنَّ في أذن حواء: «لن تموتا» ومع ذلك فالإحصائيات تخبرنا بأنّ أكثر من مائة ألف يموتون كل يوم. والمؤسف أنّ كاتب نشرة الحياة الأبدية نفسه مات وكذبة الحية القديمة على شفتيه. ومع أنّ موته سبّب الإشكالات والاضطراب ثمّ الانقسام في صفوف بدعته، فإنّ كثيرين من أفرادها لم يفهموا أنهم على ضلال، بل التفّ معظمهم حول «برنارد سايروس» وأولوه زعامتهم في سويسرا.

آه! كم هو مفجع أن يقع الناس في براثن رجال ضلال من هذا الطراز، ألا ليت الناس يكفّون عن مطالعة منشوراتهم المفعمة بسموم الضلال! وبدلاً منها يقرأون الكتاب المقدس، الذي يقول وقوله الحق الصريح: «وُضِعَ لِلنَّاسِ أَنْ يَمُوتُوا مَرَّةً ثُمَّ بَعْدَ ذٰلِكَ ٱلدَّيْنُونَةُ» (عبرانيين ٩: ٢٧)، وأنّه «لاَ شَيْءَ مِنَ ٱلدَّيْنُونَةِ ٱلآنَ عَلَى ٱلَّذِينَ هُمْ فِي ٱلْمَسِيحِ» (رومية ٨: ١)

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s