قصة معبرة ( منقولة)

قصة واقعية اقرأها لكي تستفيد منها.

بالأمس عدت إلى بيتي متعباً منهكاً

فقالت لي زوجتي حمدلله عالسلامه غير ملابسك وارتاح حتى يجهز الطعام

وبالفعل ذهبت إلى غرفتي وبدلت ثيابي وتمددت على سريري واغمضت عيني !

ولم أفتح عينيَّ إلا بعد وقت من الزمن.

فخرجت من الغرفة متوجهاً إلى المطبخ فوجدت زوجتي منهكة في إعداد المائدة.

جلست إلى المائدة وسألتها ماذا طبختي لنا اليوم يا حبيبة القلب؟

إلا أنها لم ترد! فعاودت السؤال مرة ثانية وثالثة فتفاجأت انها لم ترد .. فكانت دهشتي أسبق من غضبي!

إذ أنها المرة الأولى وعلى مدى عشرين عاماً من حياتي الزوجية أخاطب فيها زوجتي ولا تعيرني أي اهتمام.

التفت فإذا بابني يدخل المطبخ, فطلبت منه إحضار زجاجة ماء من الثلاجة, فكان جوابه مماثلا لجواب أمه, فازداد تعجبي منه ذلك الشاب الدمث الذي يُضرب به المثل في الأدب وحسن الخلق!

فهممت بالخروج من المطبخ فإذ بزوجتي تقول لأبني: اذهب وأيقظ أباك لتناول الغداء! هنا بلغ مني الذهول مبلغاً!

وبالفعل اتجه إبني إلى غرفتي ليوقظني, فصرخت فيه بعلو صوتي أنا هنا, فلم يلتفت إليَّ ومضى مسرعاً وتركني غارقاً في ذهولي.

وبعد دقيقة أو يزيد عاد وقد ارتسم الرعب على وجهه فقالت له أمه: هل أيقظت أباك ؟

فتلعثم قليلا ثم قال: حاولت إيقاظه مراراً وتكراراً لكنه لم يجب! فازدادت دهشتي, ماذا يقول هذا الولد!

فدخلت زوجتي مسرعةً إلى الغرفة وخلفها الأولاد مذعورين فتبعتهم لأجدها تحاول إيقاظ شخص آخر في سريري يشبهني تماماً, ويلبس نفس ثيابي.

وما إن يأست من إيقاظه حتى بدأت عيناها تغرورق بالدموع وبدأ أولادي في البكاء والنحيب ومناداة ذلك الرجل الملقى على فراشي والتعلق بثيابه أملا في الرد.

وأنا لا أصدق ما يجري حولي!

يا إلهي ما الذي يحدث؟! من هذا الرجل الذي هو نسخة مني ؟! لماذا لا يسمعني أحد ؟! لماذا لا يراني أحد ؟؟!!

خرج ابني مسرعاً ليعود بعد قليل ومعه أبي وأمي وإخوتي وانهمر الجميع في البكاء وأمي تعانق ذلك الرجل النائم مكاني وتبكي بكاءاً حاراً، فذهبت إليها محاولاً لمسها والحديث معها وإفهامها أني ما زلت بجوارها إلا أنه حيل بيني وبين ما أردت.

فالتفت إلى أبي وإلى إخوتي محاولاً إسماع صوتي ولكن دون جدوى!!

ذهب إخوتي للإعداد للجنازة وخرَّ أبي على الكرسي يبكي وأنا في ذهول تام وإحباط شديد من هول ذلك الكابوس المزعج الذي أحاول الاستيقاظ منه.

جاء احد الأصدقاء الى ذاك الجسد الملقى على فراشي بمساعدة أبنائي ووضعه في التابوت.

وتوافد الأصدقاء والأحباب إلى البيت والكل يعانق أبي المنهار ويعَزُّون إخوتي وأبنائي ويدعون لي بالرحمة

ثم حملوا التابوت ليصلُّوا عليه, وخلا المنزل من البشر فخرجت مسرعاً خلف الجنازة المتجهة إلى الكنيسة حيث اجتمع الجيران والأصدقاء واصطفوا ليصلوا عليا.

ووسط هذا الزحام الشديد وجدتني أخترق الصفوف بيسر وسهولة دون أن ألمس أحدًا.

وبدأت الصلاة وأنا أصرخ فيهم يا أهلي يا جيراني على من تصلون ؟!

أنا معكم ولكن لا تشعرون!!

أناديكم ولكن لا تسمعون!!

بين أيديكم ولكن لا تبصرون!!

فلما يئست منهم تركتهم يصلون وتوجهت إلى ذلك الصندوق وكشفت الغطاء أنظر إلى ذلك النائم فيه.

وما إن كشفت عن وجهه حتى فتح عينيه ونظر إليَّ وقال: الآن انتهى دوري، أنا إلى الفناء أما أنت فإلى البقاء!

ثم قال لازمتك ما يزيد عن أربعين عاماً واليوم مآلي

إلى التراب ومآلك إلى الحسا!!

ولم أشعر بنفسي إلا وأنا ملقى في التابوت فاقداً السيطرة على كل شئ, أطرافي لم تعد تستيجب لي. لم أعد أرى شيئاً, لم أعد أقوى على الحراك, أحاول الكلام فلا أستطيع.

فقط أسمع الصلاة

ثم بكاء المشيعين.

ثم صوت التراب ينهال عليّ

أدركت حينها أنها النهاية ..

ولربما البداية ..

بداية النهاية ..

هكذا بكل بساطة ودون مقدمات ؟؟!!

ما زال لدي الكثير من المواعيد,

ما زال لدي الكثير من الأشغال,

ما زال لدي الكثير من الديون التي لم أسددها ولم أوصِ بسدادها,

أريد أن أوصي بفعل خير لطالما أجلته,

أريد أن أتوب عن كل خطية عملتها

وشيئا فشيئا بدأت أختنق

وبقيت أصرخ في قبري وقت طويل.

……..

ولا زلت على هذه الحال حتى تدفق إلى مسامعي صوت رقيق يهمس في أذني : بابا, بابا, الغدا يا بابا.

ففتحت عينيَّ لأجد ابنتي وفلذة كبدي مبتسمة كعادتها في وجهي وهي تقول: “يلا يا بابا قبل الأكل ما يبرد”

احتضنتها بلهفة وقبلت جبينها ثم تركتها تذهب.

وجلست في فراشي برهة وأنا أشعر بإرهاق شديد وأطرافي ترتعد وجسدي يتصبب عرقاً.

لأخاطب نفسي قائلاً: “ها يا نفسُ قد عدتي

فأريني أي صالحٍ ستعملين قبل أن يأتي يوم تسألين فيه الرجوع فلا يستجاب لكِ”.

“بعد الموت لا يوجد فرصة”

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s